السبيل إلى العزة والتمكين

الجمعة، 22 يناير 2016

مقامات الحريري : المقامة البَصْريّة

المقامة البَصْريّة :حكَى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: أُشعِرْتُ في بعضِ الأيامِ همّاً برَحَ بي استِعارُهُ. ولاحَ عليّ شِعارُهُ. وكنتُ سمِعتُ أنّ غِشْيانَ مجالِسِ الذّكْرِ. يسْرو غَواشيَ الفِكْرِ. فلمْ أرَ لإطْفاء ما بي منَ الجمْرَةِ. إلا قصْدَ الجامِعِ بالبَصرَةِ. وكانَ إذْ ذاكَ مأهولَ المسانِدِ. مَشْفوهَ المَوارِدِ. يُجْتَنى منْ رِياضِهِ أزاهيرُ الكَلامِ. ويُسمَعُ في أرْجائِهِ صَريرُ الأقْلامِ. فانطلَقْتُ إليْهِ غيرَ وانٍ. ولا لاوٍ على شانٍ. فلمّا وطِئْتُ حَصاهُ. واستَشْرَفْتُ أقْصاهُ. تَراءى لي ذو أطْمارٍ بالِيَةٍ. فوْقَ صخْرَةٍ عالِيَةٍ. وقدْ عصيَتْ بهِ عُصَبٌ لا يُحْصى عديدُهُمْ. ولا يُنادَى وَليدُهُمْ. فابتَدْتُ قصْدَهُ. وتورّدْتُ وِرْدَهُ. ورجَوْتُ أنْ أجِدَ شِفائي عندَهُ. ولمْ أزَلْ أتنقّلُ في المَراكِزِ. وأُغْضي للاّكِزِ والواكِزِ. الى أن جلسْتُ تُجاهَهُ. بحيْثُ أمِنْتُ اشْتِباهَهُ. فإذا هوَ شيخُنا السّروجيّ لا ريْبَ فيهِ. ولا لَبْسَ يُخْفيهِ. فانْسَرى بمَرْآهُ همّي. وارْفَضّتْ كتيبَةُ غمّي. وحينَ رآني. وبصُرَ بمكاني. قال: يا أهْلَ البصرَةِ رعاكُمُ اللهُ ووقاكُمْ. وقوّى تُقاكُمْ. فما أضْوَعَ ريّاكُمْ. وأفضلَ مَزاياكُمْ! بلَدُكُمْ أوْفَى البِلادِ طُهرَةً. وأزْكاها فِطرَةً. وأفسَحُه رُقعَةً. وأمرَعُها نُجعَةً. وأقوَمُها قِبلَةً. وأوسَعُها دِجلَةً. وأكثرُها نهْراً ونَخلَةً. وأحسَنُها تَفْصيلاً وجُملَةً. دِهْليزُ البلَدِ الحَرامِ. وقُبالَةُ البابِ والمَقامِ. وأحدُ جَناحَيِ الدّنْيا. والمِصْرُ المؤسّسُ على التّقْوى. لمْ يتدنّسْ ببُيوتِ النّيرانِ. ولا طِيفَ فيهِ بالأوْثانِ. ولا سُجِدَ على أديمِهِ لغَيرِ الرّحْمَنِ. ذو المَشاهِدِ المشْهودَةِ. والمساجِدِ المقصودَةِ. والمَعالِمِ المشْهورَةِ. والمقابِرِ المَزورَةِ. والآثارِ المحْمودَةِ. والخِطَطِ المحْدودَةِ. بهِ تلْتَقي الفُلْكُ والرّكابُ. والحيتانُ والضِّبابُ. والحادِي والمَلاّحُ. والقانصُ والفلاحُ. والناشِبُ والرّامِحُ. والسّارِحُ والسّابِحُ. ولهُ آيةُ المدّ الفائِضِ. والجزْرِ الغائِضِ. وأما أنتمْ فممّنْ لا يختلِفُ في خَصائِصِهِمِ اثْنانِ. ولا يُنكِرُها ذو شَنآنٍ. دَهْماؤكُمْ أطْوَعُ رَعِيّةٍ لسُلْطانٍ. وأشكَرُهُمْ لإحْسانٍ. وزاهِدكُمْ أوْرَعُ الخليقَةِ. وأحسنُهُمْ طَريقَةً على الحَقيقَةِ. وعالِمُكُمْ علاّمَةُ كلّ زمانٍ. والحُجّةُ البالِغَةُ في كلّ أوانٍ. ومنكُمْ منِ استنبَطَ عِلمَ النّحْوِ ووضَعَهُ. والذي ابتدَعَ ميزانَ الشِّعْرِ واخترَعَهُ. وما منْ فخْرٍ إلا ولَكُمْ فيهِ اليَدُ الطّولى. والقِدْحُ المُعَلّى. ولا صيتٍ إلا وأنتُمْ أحَقُّ بهِ وأوْلى. ثمّ إنّكُمْ أكثرُ أهلِ مِصرٍ مؤذّنينَ. وأحسَنُهُمْ في النّسكِ قَوانينَ. وبكُمُ اقتُدِيَ في التّعريفِ. وعُرِفَ التّسحيرُ في الشّهرِ الشّريفِ. ولكُمْ إذا قرّتِ المضاجِعُ. وهجَعَ الهاجِعُ. تَذْكارٌ يوقِظُ النّائِمَ. ويؤنِسُ القائِمَ. وما ابتسَمَ ثغْرُ فجرٍ. ولا بزَغَ نورُهُ في برْدٍ ولا حرٍّ. إلا ولتأذينِكُمْ بالأسْحارِ. دويٌّ كدويّ الرّيحِ في البِحارِ. وبِهذا صدَعَ عنكُمُ النّقْلُ. وأخبرَ النّبيُّ، عليهِ السّلامُ، منْ قبلُ. وبيّنَ أنّ دويّكُمْ بالأسْحارِ. كدويّ النّحلِ في القِفارِ. فشرَفاً لكُمْ ببِشارَةِ المُصطَفى. وواهاً لمِصرِكُمْ وإنْ كانَ قدْ عَفا. ولمْ يبْقَ منهُ إلا شَفاً. ثمّ إنهُ خزَنَ لسانَهُ. وخطَمَ بيانَهُ. حتى حُدِجَ بالأبْصارِ. وقُرِفَ بالإقْصارِ. ووُسِمَ بالاستِقْصارِ. فتنفّسَ تنفُّسَ مَنْ قِيدَ لقَوَدٍ. أو ضبَثَتْ بهِ براثِنُ أسَدٍ. ثمّ قال: أما أنتُمْ يا أهلَ البَصرَةِ فما منْكُمْ إلا العَلَمُ المعروفُ. ومنْ لهُ المعرفَةُ والمعروفُ. وأما أنا فمَنْ عرَفَني فأنا ذاكَ. وشرُّ المَعارِفِ منْ آذاكَ. ومنْ لم يُثْبِتْ عِرْفَتي فسأصْدُقُهُ صِفَتي. أنا الذي أنجدَ وأتهَمَ. وأيمَنَ وأشأمَ. وأصْحرَ وأبحَرَ. وأدْلَجَ وأسْحَرَ. نشأتُ بسَروجَ. ورَبيتُ على السُّروجِ. ثمّ ولَجْتُ المَضايقَ. وفتحْتُ المغالِقَ. وشهِدْتُ المَعارِكَ. وألَنْتُ العَرائِكَ. واقْتَدْتُ الشّوامِسَ. وأرْغَمْتُ المَعاطِسَ. وأذَبْتُ الجَوامِدَ. وأمَعْتُ الجَلامِدَ. سَلوا عني المشارِقَ والمَغارِبَ. والمَناسِمَ والغَوارِبَ. والمَحافِلَ والجَحافِلَ. والقَبائِلَ والقَنابِلَ. واستَوْضِحوني منْ نقَلَةِ الأخْبارِ. ورُواةِ الأسْمارِ. وحُداةِ الرُكْبانِ. وحُذّاقِ الكُهّانِ. لتَعْلَموا كمْ فجٍّ سلَكْتُ. وحِجابٍ هتكْتُ. ومَهلَكةٍ اقتَحمْتُ. ومَلحَمَةٍ ألْحَمْتُ. وكمْ ألْبابٍ خدَعْتُ. وبِدَعٍ ابتَدَعْتُ. وفُرَصٍ اختلَسْتُ. وأُسُدٍ افترَسْتُ. وكمْ محلِّقٍ غادَرْتُهُ لَقًى. وكامِنٍ استَخرَجْتُهُ بالرُّقى. وحجَرٍ شحذْتُهُ حتى انصدَعَ. واستَنْبَطْتُ زُلالَهُ بالخُدَعِ. ولكِنْ فرَطَ ما فرَطَ والغُصْنُ رَطيبٌ. والفَوْدُ غِرْبيبٌ. وبُرْدُ الشّبابِ قَشيبٌ. فأمّا الآنَ وقدِ استشَنّ الأديمُ. وتأوّدَ القَويمُ. واستَنارَ اللّيلُ البَهيمُ. فليْسَ إلا النّدَمُ إنْ نفَعَ. وترْقيعُ الخَرْقِ الذي قدِ اتّسَعَ. وكُنتُ رُوّيتُ منَ الأخْبارِ المُسنَدَةِ. والآثارِ المُعتَمَدةِ. أن لكُمْ منَ اللهِ تعالى في كلّ يومٍ نَظرَةً. وأنّ سِلاحَ الناسِ كلّهِمِ الحَديدُ. وسِلاحَكُمُ الأدْعِيَةُ والتّوْحيدُ. فقصَدْتُكُمْ أُنْضي الرّواحِلَ. وأطْوي المَراحِلَ. حتى قُمْتُ هذا المَقامَ لَديْكُمْ. ولا مَنّ لي عليكُمْ. إذْ ما سعَيْتُ إلا في حاجَتي. ولا تعِبْتُ إلا لراحَتي. ولسْتُ أبْغي أعطِيَتَكُمْ. بل أستَدْعي أدعِيتَكُمْ. ولا أسْألُكُمْ أموالَكُمْ. بل أستنزِلُ سُؤالَكُمْ. فادْعوا الى اللهِ بتوْفيقي للمَتابِ. والإعْدادِ للمآبِ. فإنهُ رفيعُ الدّرَجاتِ. مُجيبُ الدّعَواتِ. وهوَ الذي يقبلُ التّوبَةَ عنْ عِبادِهِ ويعْفو عنِ السّيّئاتِ. ثمّ أنشدَ: بَ. والمَناسِمَ والغَوارِبَ. والمَحافِلَ والجَحافِلَ. والقَبائِلَ والقَنابِلَ. واستَوْضِحوني منْ نقَلَةِ الأخْبارِ. ورُواةِ الأسْمارِ. وحُداةِ الرُكْبانِ. وحُذّاقِ الكُهّانِ. لتَعْلَموا كمْ فجٍّ سلَكْتُ. وحِجابٍ هتكْتُ. ومَهلَكةٍ اقتَحمْتُ. ومَلحَمَةٍ ألْحَمْتُ. وكمْ ألْبابٍ خدَعْتُ. وبِدَعٍ ابتَدَعْتُ. وفُرَصٍ اختلَسْتُ. وأُسُدٍ افترَسْتُ. وكمْ محلِّقٍ غادَرْتُهُ لَقًى. وكامِنٍ استَخرَجْتُهُ بالرُّقى. وحجَرٍ شحذْتُهُ حتى انصدَعَ. واستَنْبَطْتُ زُلالَهُ بالخُدَعِ. ولكِنْ فرَطَ ما فرَطَ والغُصْنُ رَطيبٌ. والفَوْدُ غِرْبيبٌ. وبُرْدُ الشّبابِ قَشيبٌ. فأمّا الآنَ وقدِ استشَنّ الأديمُ. وتأوّدَ القَويمُ. واستَنارَ اللّيلُ البَهيمُ. فليْسَ إلا النّدَمُ إنْ نفَعَ. وترْقيعُ الخَرْقِ الذي قدِ اتّسَعَ. وكُنتُ رُوّيتُ منَ الأخْبارِ المُسنَدَةِ. والآثارِ المُعتَمَدةِ. أن لكُمْ منَ اللهِ تعالى في كلّ يومٍ نَظرَةً. وأنّ سِلاحَ الناسِ كلّهِمِ الحَديدُ. وسِلاحَكُمُ الأدْعِيَةُ والتّوْحيدُ. فقصَدْتُكُمْ أُنْضي الرّواحِلَ. وأطْوي المَراحِلَ. حتى قُمْتُ هذا المَقامَ لَديْكُمْ. ولا مَنّ لي عليكُمْ. إذْ ما سعَيْتُ إلا في حاجَتي. ولا تعِبْتُ إلا لراحَتي. ولسْتُ أبْغي أعطِيَتَكُمْ. بل أستَدْعي أدعِيتَكُمْ. ولا أسْألُكُمْ أموالَكُمْ. بل أستنزِلُ سُؤالَكُمْ. فادْعوا الى اللهِ بتوْفيقي للمَتابِ. والإعْدادِ للمآبِ. فإنهُ رفيعُ الدّرَجاتِ. مُجيبُ الدّعَواتِ. وهوَ الذي يقبلُ التّوبَةَ عنْ عِبادِهِ ويعْفو عنِ السّيّئاتِ. ثمّ أنشدَ:
أستغْفِرُ اللهَ منْ ذُنوبٍ ... أفرَطْتُ فيهِنّ واعْتَدَيْتُ
كمْ خُضْتُ بحْرَ الضّلالِ جهْلاً ... ورُحتُ في الغَيّ واغْتَدَيْتُ
وكمْ أطَعْتُ الهَوى اغْتِراراً ... واختَلْتُ واغْتَلْتُ وافْترَيْتُ
وكمْ خلَعْتُ العِذارَ ركْضاً ... الى المَعاصي وما ونَيْتُ
وكمْ تَناهَيْتُ في التّخطّي ... الى الخَطايا وما انتهيْتُ
فلَيتَني كُنتُ قبل هذا ... نَسْياً ولمْ أجْنِ ما جنَيْتُ
فالمَوتُ للُجْرِمين خيرٌ ... من المَساعي التي سعَيْتُ
يا رَبِّ عفْواً فأنْتَ أهلٌ ... للعَفْوِ عنّي وإنْ عصَيْتُ

قال الرّاوي: فطفِقَتِ الجَماعَةُ تُمِدّهُ بالدّعاء. وهوَ يقلّبُ وجْهَهُ في السّماء. الى أن دمَعَتْ أجفانُهُ. وبَدا رَجفانُهُ. فصاحَ: اللهُ أكبرُ بانَتْ أمارَةُ الاستِجابَةِ. وانْجابَتْ غِشاوَةُ الاستِرابَةِ. فجُزيتُمْ يا أهلَ البُصَيْرَةِ. جَزاءَ منْ هدَى منَ الحَيرَةِ. فلمْ يبْقَ منَ القوْمِ إلا منْ سُرّ لسُرورِهِ. ورضخَ لهُ بمَيْسورِهِ. فقَبِلَ عفْوَ بِرّهِمْ. وأقبلَ يُغْرِقُ في شُكرِهِمْ. ثمّ انحدَرَ منَ الصّخرَةِ. يؤمّ شاطئَ البَصرَةِ. واعْتَقَبْتُهُ الى حيثُ تخالَيْنا. وأمِنّا التّجسّسَ والتّحسّسَ علَيْنا. فقلْتُ لهُ: لقدْ أغْرَبْتَ في هذِهِ النّوبَةِ. فما رأيُكَ في التّوبَةِ؟ فقال: أُقسِمُ بعَلاّمِ الخَفيّاتِ. وغَفّارِ الخطيّاتِ. إنّ شأني لَعُجابٌ. وإنّ دُعاء قومِكَ لَمُجابٌ. فقلتُ: زِدْني إفْصاحاً. زادَكَ اللهُ صَلاحاً! فقال: وأبيكَ لقدْ قُمتُ فيهِمْ مَقامَ المُريبِ الخادِعِ. ثمّ انقلَبْتُ منهُمْ بقَلْبِ المُنيبِ الخاشِعِ! فطوبى لمَنْ صغَتْ قُلوبُهُمْ إليْهِ. وويْلٌ لمَنْ باتوا يدْعونَ عليْهِ! ثمّ ودّعَني وانطلَقَ. وأوْدَعَني القلَقَ. فلمْ أزَلْ أُعاني لأجْلِهِ الفِكَرَ. وأتشوّفُ الى خِبرَةِ ما ذكرَ. وكلّما استَنشَيْتُ خبرَهُ منَ الرُّكْبانِ. وجَوّابَةِ البُلْدانِ. كُنتُ كمَنْ حاوَرَ عجْماء. أو نادَى صخْرَةً صمّاء. الى أن لَقيتُ بعْدَ تَراخي الأمَدِ. وتَراقي الكَمَدِ. ركْباً قافِلينَ منْ سفَرٍ. فقلتُ: هلْ منْ مُغرِّبَةِ خبَرٍ؟ فقالوا: إنّ عندَنا لخَبراً أغرَبَ منَ العَنْقاء. وأعْجَبَ منْ نظَرِ الزّرْقاء. فسألتُهُمْ إيضاحَ ما قالوا. وأنْ يَكيلوا بما اكْتالوا. فحَكَوْا أنهمْ ألمّوا بسَروجَ. بعْدَ أنْ فارقَها العُلوجُ. فرأوْا أبا زيْدِها المعْروفَ. قد لبِسَ الصّوفَ. وأَمَّ الصّفوفَ. وصارَ بها الزّاهِدُ الموصوفَ. فقلتُ: أتعْنونَ ذا المَقاماتِ؟ فقالوا: إنهُ الآنَ ذو الكَراماتِ! فحفَزَني إليْهِ النّزاعُ. ورأيتُها فُرصَةً لا تُضاعُ. فارْتَحلْتُ رِحلَةَ المُعِدّ. وسِرْتُ نحوَهُ سيرَ المُجِدّ. حتى حللْتُ بمسْجِدِهِ. وقرارَةِ متعبّدِهِ. فإذا هوَ قد نبَذَ صُحبَةَ أصْحابِهِ. وانتصَبَ في مِحْرابِهِ. وهو ذو عَباءةٍ مخلولَةٍ. وشمْلَةٍ موصولَةٍ. فهِبْتُهُ مَهابَةَ منْ ولَجَ على الأسودِ. وألْفَيْتُهُ ممّنْ سِيماهُمْ في وُجوهِهِمْ منْ أثَرِ السّجودِ. ولمّا فرَغَ منْ سُبْحتِهِ. حيّاني بمُسبِّحَتِهِ. منْ غيرِ أن نغَمَ بحديثٍ. ولا استَخْبرَ عنْ قديمٍ ولا حَديثٍ. ثمّ أقْبلَ على أوْرادِهِ. وتركَني أعجَبُ منِ اجتِهادِهِ. وأغبِطُ مَنْ يَهدي اللهُ منْ عِبادِهِ. ولمْ يزَلْ في قُنوتٍ وخُشوعٍ. وسُجودٍ ورُكوعٍ. وإخْباتٍ وخُضوعٍ. الى أن أكْملَ إقامَة الخمْسِ. وصارَ اليومُ أمْسِ. فحينئذٍ انْكفأ بي الى بيتِهِ. وأسْهَمَني في قُرْصِهِ وزَيْتِهِ. ثمّ نهضَ الى مُصلاّهُ. وتخلّى بمُناجاةِ موْلاهُ. حتى إذا التمَعَ الفجرُ. وحقّ للمُتهَجِّدِ الأجْرُ. عقّبَ تهجّدَهُ بالتّسْبيحِ. ثمّ اضطَجَعَ ضِجْعَةَ المُستريحِ. وجعلَ يرجّعُ بصوْتٍ فَصيحٍ:
خلِّ ادّكارَ الأرْبُعِ ... والمعْهَدِ المُرتَبَعِ
والظّاعِنِ المودِّعِ ... وعدِّ عنْهُ ودَعِ
وانْدُبْ زَماناً سلَفا ... سوّدْتَ فيهِ الصُّحُفا
ولمْ تزَلْ مُعتكِفا ... على القبيحِ الشّنِعِ
كمْ ليلَةٍ أودَعْتَها ... مآثِماً أبْدَعْتَها
لشَهوَةٍ أطَعْتَها ... في مرْقَدٍ ومَضْجَعِ
وكمْ خُطًى حثَثْتَها ... في خِزْيَةٍ أحْدَثْتَها
وتوْبَةٍ نكَثْتَها ... لمَلْعَبٍ ومرْتَعِ
وكمْ تجرّأتَ على ... ربّ السّمَواتِ العُلى
ولمْ تُراقِبْهُ ولا ... صدَقْتَ في ما تدّعي
وكمْ غمَصْتَ بِرّهُ ... وكمْ أمِنْتَ مكْرَهُ
وكمْ نبَذْتَ أمرَهُ ... نبْذَ الحِذا المرقَّعِ
وكمْ ركَضْتَ في اللّعِبْ ... وفُهْتَ عمْداً بالكَذِبْ
ولمْ تُراعِ ما يجِبْ ... منْ عهْدِهِ المتّبَعِ
فالْبَسْ شِعارَ النّدمِ ... واسكُبْ شآبيبَ الدّمِ
قبلَ زَوالِ القدَمِ ... وقبلَ سوء المصْرَعِ
واخضَعْ خُضوعَ المُعترِفْ ... ولُذْ مَلاذَ المُقترِفْ
واعْصِ هَواكَ وانحَرِفْ ... عنْهُ انحِرافَ المُقلِعِ
إلامَ تسْهو وتَني ... ومُعظَمُ العُمرِ فَني
في ما يضُرّ المُقْتَني ... ولسْتَ بالمُرْتَدِعِ
أمَا ترَى الشّيبَ وخَطْ ... وخَطّ في الرّأسِ خِطَطْ
ومنْ يلُحْ وخْطُ الشّمَطْ ... بفَودِهِ فقدْ نُعي
ويْحَكِ يا نفسِ احْرِصي ... على ارْتِيادِ المَخلَصِ
وطاوِعي وأخْلِصي ... واسْتَمِعي النُّصْحَ وعي
واعتَبِرِي بمَنْ مضى ... من القُرونِ وانْقَضى
واخْشَيْ مُفاجاةَ القَضا ... وحاذِري أنْ تُخْدَعي
وانتَهِجي سُبْلَ الهُدى ... وادّكِري وشْكَ الرّدى
وأنّ مثْواكِ غدا ... في قعْرِ لحْدٍ بلْقَعِ
آهاً لهُ بيْتِ البِلَى ... والمنزِلِ القفْرِ الخَلا
وموْرِدِ السّفْرِ الأُلى ... واللاّحِقِ المُتّبِعِ
بيْتٌ يُرَى مَنْ أُودِعَهْ ... قد ضمّهُ واسْتُودِعَهْ
بعْدَ الفَضاء والسّعَهْ ... قِيدَ ثَلاثِ أذْرُعِ
لا فرْقَ أنْ يحُلّهُ ... داهِيَةٌ أو أبْلَهُ
أو مُعْسِرٌ أو منْ لهُ ... مُلكٌ كمُلْكِ تُبّعِ
وبعْدَهُ العَرْضُ الذي ... يحْوي الحَييَّ والبَذي
والمُبتَدي والمُحتَذي ... ومَنْ رعى ومنْ رُعي
فَيا مَفازَ المتّقي ... ورِبْحَ عبْدٍ قد وُقِي
سوءَ الحِسابِ الموبِقِ ... وهوْلَ يومِ الفزَعِ
ويا خَسارَ مَنْ بغَى ... ومنْ تعدّى وطَغى
وشَبّ نيرانَ الوَغى ... لمَطْعَمٍ أو مطْمَعِ
يا مَنْ عليْهِ المتّكَلْ ... قدْ زادَ ما بي منْ وجَلْ
لِما اجتَرَحْتُ من زلَلْ ... في عُمْري المُضَيَّعِ
فاغْفِرْ لعَبْدٍ مُجتَرِمْ ... وارْحَمْ بُكاهُ المُنسجِمْ
فأنتَ أوْلى منْ رَحِمْ ... وخيْرُ مَدْعُوٍّ دُعِي

قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فلمْ يزَلْ يرَدّدُها بصوتٍ رقيقٍ. ويصِلُها بزَفيرٍ وشَهيقٍ. حتى بكيتُ لبُكاء عينيهِ. كَما كُنتُ منْ قبلُ أبكي عليْهِ. ثمّ برزَ الى مسجِدِهِ. بوُضوء تهجّدِهِ. فانطلَقْتُ رِدْفَهُ. وصلّيتُ مع مَنْ صلّى خلفهُ. ولمّا انفَضّ مَنْ حضَرَ. وتفرّقوا شغَرَ بغَرَ. أخذَ يُهَينِمُ بدَرْسِهِ. ويسْبِكُ يومَهُ في قالِبِ أمْسِهِ. وفي ضِمْنِ ذلِكَ يُرِنّ إرْنانَ الرَّقوبِ. ويبْكي ولا بُكاءَ يعْقوبَ. حتى استَبَنْتُ أنهُ التحقَ بالأفْرادِ. وأُشرِبَ قلبُهُ هوى الانْفِرادِ. فأخطَرْتُ بقَلْبي عَزْمَةَ الارتِحالِ. وتخْلِيَتَهُ والتّخلّي بتِلكَ الحالِ. فكأنهُ تفرّسَ ما نويْتُ. أو كوشِفَ بما أخْفَيْتُ. فزفَرَ زَفيرَ الأوّاهِ. ثمّ قرأ: فإذا عزَمْتَ فتوكّلْ على اللهِ. فأسْجَلْتُ عندَ ذلِكَ بصِدْقِ المُحدّثينَ. وأيقَنْتُ أنّ في الأمّةِ محَدّثينَ. ثمّ دنَوْتُ إليْهِ كما يدْنو المُصافِحُ. وقلتُ: أوْصِني أيها العبْدُ النّاصِحُ. فقال: اجعَلِ الموتَ نُصْبَ عينِكَ. وهذا فِراقُ بيني وبينِكَ. فودّعْتُهُ وعبَراتي يتحدّرْنَ منَ المآقي. وزَفَراتي يتصَعّدْنَ منَ التّراقي. وكانتْ هذِهِ خاتِمَةَ التّلاقي.

مقامات الحريري : المقامة السّاسانيّة

المقامة السّاسانيّة :
حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: بلَغني أنّ أبا زيدٍ حينَ ناهزَ القَبْضَةَ. وابتَزّهُ قيدُ الهرَمِ النّهْضَةَ. أحضرَ ابنَهُ. بعْدَما اسْتَجاشَ ذِهنَهُ. وقال لهُ: يا بُنيّ إنهُ قد دنَا ارتِحالي منَ الفِناء. واكتِحالي بمِروَدِ الفَناء. وأنتَ بحمْدِ اللهِ وليُّ عهْدي. وكبْشُ الكَتيبَةِ السّاسانيّة منْ بعْدي. ومثلُكَ لا تُقرَعُ لهُ العَصا. ولا يُنَبَّهُ بطَرْقِ الحصَى. ولكِنْ قد نُدِبَ الى الإذْكارِ. وجُعِلَ صيْقَلاً للأفكارِ. وإني أُوصيكَ بما لمْ يوصِ بهِ شيثٌ الأنْباطَ. ولا يعْقوبُ الأسْباطَ. فاحفَظْ وصيّتي. وجانِبْ معْصِيتي. واحْذُ مِثالي. وافْقَهْ أمْثالي. فإنّكَ إنِ استَرشدْتَ بنُصْحي. واستَصْبَحْتَ بصُبْحي. أمْرَعَ خانُكَ. وارتفَعَ دُخانُكَ. وإنْ تناسَيْتَ سُورَتي. ونبذْتَ مَشورَتي. قَلّ رمادُ أثافيكَ. وزَهِدَ أهلُكَ ورهْطُكَ فيكَ. يا بُنيّ إني جرّبْتُ حقائِقَ الأمورِ. وبلَوْتُ تصاريفَ الدّهورِ. فرأيْتُ المرْءَ بنَشَبِهِ. لا بنَسَبِهِ. والفحْصَ عن مكسَبِهِ. لا عنْ حسَبِهِ. وكُنتُ سمِعْتُ أنّ المَعايِشَ إمارَةٌ. وتجارَةٌ. وزِراعَةٌ. وصناعَةٌ. فمارَسْتُ هذِهِ الأرْبَعَ. لأنظُرَ أيّها أوفقُ وأنفَعُ. فما أحْمَدْتُ منها معيشَةً. ولا استرْغَدْتُ فيها عِيشَةً. أما فرَصُ الوِلاياتِ. وخُلَسُ الإماراتِ. فكأضْغاثِ الأحْلامِ. والفَيْءِ المُنتَسِخِ بالظّلامِ. وناهيكَ غُصّةً بمَرارَةِ الفِطامِ. وأما بضائِعُ التّجاراتِ. فعُرْضَةٌ للمُخاطَراتِ. وطُعمَةٌ للغاراتِ. وما أشبَهَها بالطّيورِ الطّيّاراتِ. وأما اتّخاذُ الضِّياعِ. والتّصدّي للازدِراعِ. فمنْهَكَةٌ للأعْراضِ. وقُيودٌ عائِقَةٌ عنِ الارْتِكاضِ. وقلّما خَلا ربُّها عنْ إذْلالٍ. أو رُزِقَ رَوْحُ بالٍ. وأما حِرَفُ أولي الصناعاتِ. فغيْرُ فاضِلَةٍ عنِ الأقْواتِ. ولا نافِقَةٍ في جَميعِ الأوْقاتِ. ومُعظَمُها معْصوبٌ بشَبيبَةِ الحَياةِ. ولمْ أرَ ما هوَ بارِدُ المَغنَمِ. لَذيذُ المطعَمِ. وافي المَكْسَبِ. صافي المَشرَبِ. إلا الحِرفَةَ التي وضعَ ساسنُ أساسَها. ونوّعَ أجْناسَها. وأضْرَمَ في الخافِقَيْنِ نارَها. وأوضَحَ لبَني غَبْراءَ مَنارَها. فشَهِدْتُ وقائِعَها مُعْلِماً. واخترْتُ سِيماها لي مِيسَماً. إذْ كانَتِ المَتْجَرَ الذي لا يَبورُ. والمنهَلَ الذي لا يغورُ. والمِصْباحَ الذي يعْشو إلَيْهِ الجُمهورُ. ويستصْبِحُ بهِ العُمْيُ والعورُ. وكانَ أهلُها أعَزّ قَبيلٍ. وأسعَدَ جيلٍ. لا يَرْهَقُهُمْ مسُّ حيْفٍ. ولا يُقلِقُهُمْ سَلُّ سيْفٍ. ولا يخْشَوْنَ حُمَةَ لاسِعٍ. ولا يَدينونُ لدانٍ ولا شاسِعٍ. ولا يرْهَبونَ ممّنْ برَقَ ورعَدَ. ولا يحفِلونَ بمَنْ قامَ وقعَدَ. أنديَتُهُمْ منزّهَةٌ. وقُلوبُهُمْ مرفّهَةٌ. وطُعَمُهُمْ مُعجَّلَةٌ. وأوقاتُهُمْ محَجّلَةٌ. أيْنما سقَطوا. لقَطوا. وحيثُما انخرَطوا. خرَطوا. لا يتّخذونَ أوْطاناً. ولا يتّقونَ سُلطاناً. ولا يمْتازونَ عمّا تغْدو خِماصاً. وتَروحُ بِطاناً. فقالَ لهُ ابنُهُ: يا أبَتِ لقدْ صدَقْتَ. في ما نطَقْتَ. ولكنّك رتَقْتَ. وما فتَقْتَ. فبيّنْ لي كيفَ أقتَطِفُ. ومنْ أينَ تؤكَلُ الكتِفُ؟ فقال: يا بُنيّ إنّ الارتِكاضَ بابُها. والنّشاطَ جِلبابُها. والفِطنَةَ مِصباحُها. والقِحَةَ سلاحُها. فكُنْ أجْوَلَ منْ قُطرُبٍ. وأسرى من جُندُبٍ. وأنشَطَ من ظَبْيٍ مُقمِرٍ. وأسلَطَ من ذِئْبٍ متنمِّرٍ. واقْدَحْ زَنْدَ جدّكَ بجِدّكَ. واقْرَعْ بابَ رعْيِكَ بسعْيِكَ. وجُبْ كُلّ فجّ. ولِجْ كلّ لُجّ. وانتَجِعْ كلّ روْض. وألْقِ دلْوَكَ الى كُلّ حوْضٍ. ولا تسْأمِ الطّلَبَ. ولا تمَلّ الدأَبَ. فقدْ كانَ مكتوباً على عَصا شيْخِنا ساسانَ: منْ طلبَ. جلبَ. ومنْ جالَ. نالَ. وإيّاكَ والكسلَ فإنهُ عُنوانُ النّحوسِ. ولَبوسُ ذَوي البوسِ. ومِفتاحُ المَترَبَةِ. ولِقاحُ المَتعَبَةِ. وشيمَةُ العجَزَةِ الجهَلَةِ. وشِنشِنَةُ الوُكَلَةِ التُّكَلَةِ. وما اشْتارَ العسَلَ. منِ اخْتارَ الكسلَ. ولا ملأ الرّاحةَ. منِ استوْطأ الرّاحةَ. وعليْكَ بالإقْدامِ. ولوْ على الضِّرْغامِ. فإنّ جَراءةَ الجَنانِ. تُنطِقُ اللّسانَ. وتُطلِقُ العِنانَ. وبها تُدرَكُ الحُظوَةُ. وتُملَكُ الثّروةُ. كما أنّ الخوَرَ صِنْوُ الكسَلِ. وسبَبُ الفشَلِ.ومَبْطأةٌ للعمَلِ. ومَخْيَبَةٌ للأمَلِ. ولهذا قيلَ في المثلِ: منْ جسَرَ. أيسَرَ. ومنْ هابَ. خابَ. ثمّ ابْرُزْ يا بُنيّ في بكورِ أبي زاجِرٍ. وجَراءةِ أبي الحارثِ. وحَزامَةِ أبي قُرّةَ. وختْلِ أبي جَعْدَةَ. وحِرْصِ أبي عُقبَةَ. ونشاطِ أبي وثّابٍ. ومكْرِ أبي الحُصَينِ. وصبْرِ أبي أيّوبَ. وتلَطّفِ أبي غزْوانَ. وتلوّنِ أبي بَراقِشَ. وحيلَةِ قَصيرٍ. ودَهاء عمْرٍو. ولُطفِ الشّعْبيّ. واحتِمالِ الأحنَفِ. وفِطنَةِ إياسٍ. ومَجانةِ أبي نُواسٍ. وطمَعِ أشعَبَ. وعارِضَةِ أبي العَياء. واخلُبْ بصوْغِ اللّسانِ. واخدعْ بسِحرِ البَيانِ. وارْتَدِ السوقَ قبلَ الجَلَبِ. وامتَرِ الضّرْعَ قبلَ الحلَبِ. وسائِلِ الرُكبانَ قبلَ المُنتجَعِ. ودمّثْ لجَنبِكَ قبلَ المُضطَجَعِ. واشحَذْ بصيرَتَكَ للعِيافَةِ. وأنعِمْ نظرَكَ للقِيافَةِ. فإنّ منْ صدَقَ توسّمُهُ. طالَ تبسّمُهُ. ومنْ أخطأتْ فِراسَتُهُ. أبطأتْ فَريسَتُهُ. وكُنْ يا بُنيّ خَفيفَ الكَلّ. قَليلَ الدّلّ. راغِباً عنِ العَلّ. قانِعاً منَ الوَبلِ بالطّلّ. وعظّمْ وقعَ الحَقيرِ. واشكُرْ على النّقيرِ. ولا تقنَطْ عندَ الرّدّ. ولا تستَبعِدْ رشْحَ الصّلْدِ. ولا تيْأسْ منْ رَوحِ اللهِ إنهُ لا ييْأسُ منْ رَوحِ اللِ إلا القوْمُ الكافِرونَ. وإذا خُيّرتَ بينَ ذَرّةٍ منْقودَةٍ. ودُرّةٍ موْعودَةٍ. فمِلْ الى لنّقْدِ. وفضّلِ اليومَ على الغدِ. فإنّ للتأخيرِ آفاتٍ. وللعَزائِمِ بدَواتٍ. وللعِداتِ مُعَقِّباتٍ. وبيْنَها وبينَ النّجازِ عقَباتٌ وأيّ عقَباتٍ. وعليْكَ بصَبْرِ أولي العزْمِ. ورِفْقِ ذَوي الحزْمِ. وجانِبْ خُرْقَ المُشتَطّ. وتخلّقْ بالخُلْقِ السّبْطِ. وقيّدِ الدّرْهَمَ بالرّبْطِ. وشُبِ البَذْلِ بالضّبْطِ. ولا تجْعَلْ يدَكَ مغْلولَةً الى عُنقِكَ ولا تَبسُطْها كلّ البسْطِ. ومتى نَبا بكَ بلَدٌ. أو نابَكَ فيهِ كمَدٌ. فبُتّ منهُ أملَكَ. واسْرَحْ منهُ جمَلَكَ. فخيْرُ البِلادِ ما جمّلَكَ. ولا تستَثْقِلَنّ الرّحلَةَ. ولا تكْرهَنّ النُقلَةَ. فإنّ أعْلامَ شَريعَتِنا. وأشياخَ عَشيرَتِنا. أجْمَعوا على أنّ الحركَةَ برَكةٌ. والطّراوَةَ سُفتَجَةٌ. وزَرَوْا على منْ زعَمَ أنّ الغُربَةَ. كُربَةٌ. والنُقلَةَ. مُثلَةٌ. وقالوا: هي تَعِلّةُ منِ اقتنَعَ بالرّذيلةِ. ورضِيَ بالحشَفِ وسوء الكِيلَةِ. وإذا أزْمَعْتَ على الاغْتِرابِ. وأعْدَدْتَ لهُ العَصا والجِرابَ. فتخيّرِ الرّفيقَ المُسعِدَ. منْ قبْلِ أن تُصعِدَ. فإنّ الجارَ. قبلَ الدّارِ. والرّفيقَ. قبلَ الطّريقِ: َبْطأةٌ للعمَلِ. ومَخْيَبَةٌ للأمَلِ. ولهذا قيلَ في المثلِ: منْ جسَرَ. أيسَرَ. ومنْ هابَ. خابَ. ثمّ ابْرُزْ يا بُنيّ في بكورِ أبي زاجِرٍ. وجَراءةِ أبي الحارثِ. وحَزامَةِ أبي قُرّةَ. وختْلِ أبي جَعْدَةَ. وحِرْصِ أبي عُقبَةَ. ونشاطِ أبي وثّابٍ. ومكْرِ أبي الحُصَينِ. وصبْرِ أبي أيّوبَ. وتلَطّفِ أبي غزْوانَ. وتلوّنِ أبي بَراقِشَ. وحيلَةِ قَصيرٍ. ودَهاء عمْرٍو. ولُطفِ الشّعْبيّ. واحتِمالِ الأحنَفِ. وفِطنَةِ إياسٍ. ومَجانةِ أبي نُواسٍ. وطمَعِ أشعَبَ. وعارِضَةِ أبي العَياء. واخلُبْ بصوْغِ اللّسانِ. واخدعْ بسِحرِ البَيانِ. وارْتَدِ السوقَ قبلَ الجَلَبِ. وامتَرِ الضّرْعَ قبلَ الحلَبِ. وسائِلِ الرُكبانَ قبلَ المُنتجَعِ. ودمّثْ لجَنبِكَ قبلَ المُضطَجَعِ. واشحَذْ بصيرَتَكَ للعِيافَةِ. وأنعِمْ نظرَكَ للقِيافَةِ. فإنّ منْ صدَقَ توسّمُهُ. طالَ تبسّمُهُ. ومنْ أخطأتْ فِراسَتُهُ. أبطأتْ فَريسَتُهُ. وكُنْ يا بُنيّ خَفيفَ الكَلّ. قَليلَ الدّلّ. راغِباً عنِ العَلّ. قانِعاً منَ الوَبلِ بالطّلّ. وعظّمْ وقعَ الحَقيرِ. واشكُرْ على النّقيرِ. ولا تقنَطْ عندَ الرّدّ. ولا تستَبعِدْ رشْحَ الصّلْدِ. ولا تيْأسْ منْ رَوحِ اللهِ إنهُ لا ييْأسُ منْ رَوحِ اللِ إلا القوْمُ الكافِرونَ. وإذا خُيّرتَ بينَ ذَرّةٍ منْقودَةٍ. ودُرّةٍ موْعودَةٍ. فمِلْ الى لنّقْدِ. وفضّلِ اليومَ على الغدِ. فإنّ للتأخيرِ آفاتٍ. وللعَزائِمِ بدَواتٍ. وللعِداتِ مُعَقِّباتٍ. وبيْنَها وبينَ النّجازِ عقَباتٌ وأيّ عقَباتٍ. وعليْكَ بصَبْرِ أولي العزْمِ. ورِفْقِ ذَوي الحزْمِ. وجانِبْ خُرْقَ المُشتَطّ. وتخلّقْ بالخُلْقِ السّبْطِ. وقيّدِ الدّرْهَمَ بالرّبْطِ. وشُبِ البَذْلِ بالضّبْطِ. ولا تجْعَلْ يدَكَ مغْلولَةً الى عُنقِكَ ولا تَبسُطْها كلّ البسْطِ. ومتى نَبا بكَ بلَدٌ. أو نابَكَ فيهِ كمَدٌ. فبُتّ منهُ أملَكَ. واسْرَحْ منهُ جمَلَكَ. فخيْرُ البِلادِ ما جمّلَكَ. ولا تستَثْقِلَنّ الرّحلَةَ. ولا تكْرهَنّ النُقلَةَ. فإنّ أعْلامَ شَريعَتِنا. وأشياخَ عَشيرَتِنا. أجْمَعوا على أنّ الحركَةَ برَكةٌ. والطّراوَةَ سُفتَجَةٌ. وزَرَوْا على منْ زعَمَ أنّ الغُربَةَ. كُربَةٌ. والنُقلَةَ. مُثلَةٌ. وقالوا: هي تَعِلّةُ منِ اقتنَعَ بالرّذيلةِ. ورضِيَ بالحشَفِ وسوء الكِيلَةِ. وإذا أزْمَعْتَ على الاغْتِرابِ. وأعْدَدْتَ لهُ العَصا والجِرابَ. فتخيّرِ الرّفيقَ المُسعِدَ. منْ قبْلِ أن تُصعِدَ. فإنّ الجارَ. قبلَ الدّارِ. والرّفيقَ. قبلَ الطّريقِ:
خُذْها إليْكَ وصيّةً ... لمْ يوصِها قبْلي أحَدْ
غَرّاءَ حاويَةً خُلا ... صاتِ المَعاني والزُّبَدْ
نقّحْتُها تنْقيحَ منْ ... مَحَضَ النّصيحةَ واجتَهدْ
فاعْمَلْ بما مثّلْتُهُ ... عمَلَ اللّبيبِ أخي الرَّشَدْ
حتى يقولَ الناسُ هـ ... ذا الشّبلُ منْ ذاكَ الأسَدْ

ثمّ قال: يا بُنيّ قد أوْصيتُ. واستقْصَيْتُ. فإنِ اقتَدَيْتَ فوَاهاً لكَ. وإنِ اعتَديْتَ فآهاً منكَ! واللهُ خَليفَتي عليْ: َ. وأرْجو أنْ لا تُخْلِفَ ظنّي فيكَ. فقالَ لهُ ابنُهُ: يا أبَتِ لا وُضِعَ عرْشُكَ. ولا رُفِعَ نعْشُكَ. فلقَدْ قلتَ سَدَداً. وعلّمْتَ رشَداً. ونحَلْتَ ما لمْ ينْحَلْ والِدٌ ولَداً. ولَئِنْ أُمْهِلْتُ بعْدَكَ. لا ذُقْتُ فقْدَكَ. فلأتأدّبَنّ بآدابِكَ الصالِحةِ. ولأقْتَدِيَنّ بآثارِكَ الواضِحَةِ. حتى يُقال: ما أشْبَهَ الليلةَ بالبارِحَةِ. والغادِيةَ بالرّائِحَةِ. فاهْتزّ أبو زيْدٍ لجَوابِهِ وابتسَمَ. وقال: منْ أشبَهَ أباهُ فَما ظلَمَ. قالَ الحارثُ بنُ همّامٍ: فأُخبِرْتُ أنّ بَني ساسانَ. حينَ سَمِعوا هَذي الوَصايا الحِسانَ. فضّلوها على وَصايا لُقْمانَ. وحفِظوها كما تُحفَظُ أمّ القُرْآنِ. حتى إنّهُمْ لَيَروْنَها الى الآنَ. أوْلى ما لقّنوهُ الصّبيانَ. وأنفَعَ لهُمْ منْ نِحلَةِ العِقيانِ.

مقامات الحريري : المقامة الحَراميّة

المقامة الحَراميّة :
روى الحارثُ بنُ همّامٍ عنْ أبي زيدٍ السَّروجيّ قال: ما زِلْتُ مُذ رحَلْتُ عنْسي. وارتَحَلْتُ عنْ عِرْسي وغَرْسي. أحِنّ إلى عِيانِ البَصرَةِ. حَنينَ المظْلومِ الى النُصرَةِ. لِما أجمَعَ عليْهِ أرْبابُ الدّرايَةِ. وأصْحابُ الرّوايَةِ. منْ خصائِصِ معالمِها وعُلَمائِها. ومآثِرِ مشاهِدِها وشُهَدائِها. وأسْألُ اللهَ أن يوطِئَني ثَراها. لأفوزَ بمرْآها. وأنْ يُمطيَني قَراها. لأقْتَري قُراها. فلمّا أحَلّنيها الحظُّ. وسرَحَ لي فيها اللّحْظُ. رأيتُ بها ما يمْلأ العَينَ قُرّةً. ويُسْلي عنِ الأوطانِ كلّ غَريبٍ. فغلَسْتُ في بعض الأيامِ. حينَ نصَلَ خِضابُ الظّلامِ. وهتَفَ أبو المُنذِرِ بالنُّوّامِ. لأخْطوَ في خِطَطِها. وأقْضيَ الوطَرَ منْ توسُّطِها. فأدّاني الاخْتِراقُ في مَسالِكِها. والانصِلاتُ في سِككِها. الى محلّةٍ موسومَةٍ بالاحْتِرامِ. منسوبَةٍ الى بني حَرامٍ. ذاتِ مَساجِدَ مشهودَةٍ. وحِياضٍ موْرودَةٍ. ومَبانٍ وثيقَةٍ. ومغانٍ أنيقَةٍ. وخصائِصَ أثيرَةٍ. ومَزايا كثيرةٍ:
بها ما شِئْتَ منْ دِينٍ ودُنْيا ... وجيرانٍ تنافَوْا في المعاني
فمَشغوفٌ بآياتِ المثاني ... ومفْتونٌ برَنّاتِ المثاني
ومُضْطَلِعٌ بتلْخيصِ المعاني ... ومُطّلِعٌ الى تخْليصِ عانِ
وكمْ منْ قارِئٍ فيها وقارٍ ... أضَرّا بالجُفونِ وبالجِفانِ
وكمْ منْ مَعْلَمٍ للعِلْمِ فيها ... ونادٍ للنّدى حُلْوِ المَجاني
ومَغْنًى لا تزالُ تغَنُّ فيهِ ... أغاريدُ الغَواني والأغاني
فصِلْ إن شِئتَ فيها مَنْ يُصَلّي ... وإمّا شِئْتَ فادنُ منَ الدِّنانِ
ودونَكَ صُحبَةَ الأكياسِ فيها ... أوِ الكاساتِ منطَلِقَ العِنانِ

قال: فبَينَما أنا أنفُضُ طُرُقَها. وأستَشِفُّ رونَقَها. إذْ لمحْتُ عندَ دُلوكِ بَراحِ. وإظْلالِ الرّواحِ. مسجِداً مُشتَهِراً بطَرائِفِهِ. مزدَهِراً بطوائِفِه. وقد أجْرى أهلُهُ ذِكْرَ حُروفِ البدَلِ. وجرَوْا في حلْبَةِ الجدَلِ. فعُجْتُ نحوَهُمْ. لأستَمطِرَ نوّهُمْ. لا لأقتَبِسَ نحوَهُمْ. فلمْ يكُ إلا كقَبْسَةِ العَجْلانِ. حتى ارتفَعَتِ الأصْواتُ بالأذانِ. ثمّ رَدِفَ التّأذينَ بُروزُ الإمامِ. فأُغْمِدَتْ ظُبى الكلامِ. وحُلّتِ الحِبى للقِيامِ. وشُغِلْنا بالقُنوتِ. عنِ استِمْدادِ القوتِ. وبالسّجودِ. عنِ استِنْزال الجودِ. ولمّا قُضيَ الفَرْضُ. وكادَ الجمْعُ ينفَضّ. انْبَرى منَ الجماعَةِ. كهْلٌ حُلْوُ البَراعةِ. لهُ منَ السّمتِ الحسَنِ. ذَلاقَةُ اللّسَنِ. وفَصاحَةُ الحسَنِ. وقال: يا جيرَتي. الذينَ اصْطفَيتُهُمْ على أغصانِ شجرَتي. وجعلْتُ خِطتَهُمْ دارَ هِجرَتي. واتّخَذْتُهُمْ كَرِشي وعَيبَتي. وأعددْتُهُمْ لمَحْضَري وغيْبَتي. أما تعْلَمونَ أنّ لَبوسَ الصّدقِ أبْهى الملابِسِ الفاخِرةٍ. وأنّ فُضوحَ الدُنيا أهوَنُ منْ فُضوحِ الآخِرَةِ؟ وأنّ الدّينَ إمْحاضُ النّصيحَةِ. والإرْشادَ عُنوانُ العَقيدَةِ الصّحيحةِ؟ وأنّ المُستَشارَ مُؤتَمَنٌ. والمستَرشِدَ بالنُصحِ قَمِنٌ؟ وأنّ أخاكَ هوَ الذي عذلَكَ. لا الذي عذَرَكَ؟ وصديقَكَ منْ صدقَكَ. لا مَنْ صدّقَكَ؟ فقال لهُ الحاضِرون: أيها الخِلّ الوَدودُ. والخِدْنُ الموْدودُ. ما سِرّ كلامِكَ المُلغَزِ. وما شرْحُ خِطابِكَ الموجِزِ. وما الذي تبْغيهِ منّا ليُنْجَزَ؟ فوَالذي حَبانا بمحبّتِكَ. وجعلَنا منْ صفْوَةِ أحِبّتِكَ. ما نألوكَ نُصْحاً. ولا ندّخِرُ عنْكَ نَضْحاً. فقال: جُزيتُمْ خيراً. ووُقيتُمْ ضَيراً. فإنّكُمْ ممّنْ لا يَشْقى بهِمْ جَليسٌ. ولا يصدُرُ عنهُمْ تلْبيسٌ. ولا يُخيَّبُ فيهِمْ مَظنونٌ. ولا يُطْوى دونَهُمْ مكْنونٌ. وسأبُثّكمْ ما حاكَ في صدْري. وأستَفْتيكُمْ في ما عيلَ فيهِ صبْري. اعْلَموا أني كُنتُ عندَ صُلودِ الزّنْدِ. وصُدودِ الجَدّ. أخْلَصْتُ معَ اللهِ نِيّةَ العقْدِ. وأعطَيتُهُ صَفقَةَ العهْدِ. على أنْ لا أسْبأ مُداماً. ولا أُعاقِرَ نَدامَي. ولا أحْتَسيَ قهوَةً. ولا أكْتَسيَ نشْوَةً. فسوّلَتْ ليَ النّفسُ المُضِلّةُ. والشّهوَةُ المُذلّةُ المُزِلةُ. أنْ نادَمْتُ الأبْطالَ. وعاطَيتُ الأرْطالَ. وأضَعْتُ الوَقارَ. وارتضَعْتُ العُقارَ. وامتطَيْتُ مَطا الكُمَيتِ. وتناسيْتُ التّوبَةَ تَناسيَ الميْتِ. ثمّ لمْ أقْنَعْ بهاتِيكُمُ المَرّةِ. في طاعَةِ أبي مُرّةَ. حتى عكفْتُ على الخَندَريسِ. في يومِ الخَميسِ. وبتُّ صَريعَ الصّهْباء. في اللّيلَةِ الغرّاء. وها أنا بادي الكآبَةِ. لرَفْضِ الإنابَةِ. نامي النّدامَةِ. لوصْلِ المُدامَةِ. شديدُ الإشْفاقِ. منْ نقْضِ الميثاقِ. مُعتَرِفٌ بالإسْرافِ. في عَبّ السُّلافِ:
فيَا قوْمِ هلْ كَفّارَةٌ تعْرِفونَها ... تُباعِدُ منْ ذَنْبي وتُدني الى ربّي
قال أبو زيد: فلمّا حلّ أُنشوطَةَ نفْثِهِ. وقَضى الوَطَرَ منِ اشتِكاء بثّهِ. ناجَتْني نفْسي يا أبا زيْدٍ. هذهِ نُهزَةُ صيْدٍ. فشمّرْ عن يدٍ وأيْدٍ. فانتهَضْتُ منْ مَجْثِمي انتِهاضَ الشّهْمِ. وانخرَطْتُ منَ الصّفّ انخِراطَ السّهْمِ. وقُلتُ:
أيها الأرْوَعُ الذي ... فاقَ مجْداً وسؤدُدا
والذي يبْتَغي الرّشا ... دَ ليَنجو بهِ غَدا
إنّ عندي عِلاجَ ما ... بِتَّ منهُ مسَهَّدا
فاستَمِعْها عجيبةً ... غادرَتْني مُلَدَّدا
أنا منْ ساكِني سَرو ... جَ ذَوي الدّينِ والهُدى
كنتُ ذا ثرْوَةٍ بها ... ومُطاعاً مُسَوَّدا
مرْبَعي مألَفُ الضّيو ... فِ ومالي لهُمْ سُدَى
أشتَري الحمْدَ باللُّهى ... وأقي العِرْضَ بالجَدا
لا أُبالي بمُنفِسٍ ... طاحَ في البَذْلِ والنّدى
أوقِدُ النارَ باليَفا ... عِ إذا النِّكسُ أخْمَدا
وبَراني المؤمِّلو ... نَ مَلاذاً ومَقْصِدا
لمْ يشِمْ بارِقي صَدٍ ... فانْثَنى يشْتَكي الصّدَى
لا ولا رامَ قابِسٌ ... قدْحَ زَندي فأصْلَدا
طالَما ساعَدَ الزّما ... نُ فأصْبَحْتُ مُسْعَدا
فقَضى اللهُ أنْ يُغيّ ... رَ ما كانَ عَوّدا
بوّأ الرّومَ أرْضَنا ... بعْدَ ضِغْنٍ تولَّدا
فاسْتباحوا حريمَ مَنْ ... صادَفوهُ موَحِّدا
وحوَوْا كلَّ ما استس ... رّ بها لي وما بدا
فتطوّحْتُ في البِلا ... دِ طَريداً مُشرَّدا
أجْتَدي الناسَ بعْدَما ... كُنتُ من قَبْلُ مُجْتَدى
وتُرى بي خَصاصَةٌ ... أتَمنّى لها الرّدى
والبَلاءُ الذي بهِ ... شمْلٌ أُنسي تبَدّدا
إسْتِباءُ ابْنَتي التي ... أسَروها لتُفْتَدى
فاسْتَبِنْ مِحنَتي وم ... دّ الى نُصْرَتي يَدا
وأجِرْني منَ الزّما ... نِ فقدْ جارَ واعْتَدى
وأعِنّي على فَكا ... كِ ابْنَتي منْ يدِ العِدَى
فبِذا تَنْمَحي المآ ... ثِمُ عمّنْ تمرّدا
وبِهِ تُقبَلُ الإنا ... بَةُ ممّنْ تزَهّدا
وهْوَ كفّارَةٌ لمَنْ ... زاغَ منْ بعْدِ ما اهْتَدى
ولَئِنْ قُمتُ مُنشِداً ... فلقَدْ فُهْتُ مُرشِدا
فاقْبَلِ النُصْحَ والهِدا ... يَةَ واشْكُرْ لمَنْ هَدى
واسمَحِ الآنَ بالّذي ... يتسنّى لتُحْمَدا

قال أبو زيدٍ: فلمّا أتْمَمْتُ هذْرَمَتي. وأُوهِمَ المسؤولُ صِدْقَ كلِمَتي. أغْراهُ القرَمُ الى الكرَمِ بمؤاساتي. ورغّبَهُ الكلَفُ بحمْلِ الكُلَفِ في مُقاساتي. فرضَخَ لي على الحافِرَةِ. ونضَخَ لي بالعِدَةِ الوافِرَةِ. فانقلَبْتُ الى وَكْري. فرِحاً بنُجْحِ مَكْري. وقد حصلْتُ منْ صوْغِ المَكيدةِ. على سوْغِ الثّريدَةِ. ووصلْتُ منْ حوْكِ القَصيدَةِ. الى لوْكِ العَصيدَةِ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فقلتُ لهُ سُبحانَ منْ أبدعَكَ. فما أعْظمَ خُدَعَكَ. وأخْبَثَ بدَعَكَ!فاستَغْرَبَ في الضّحِك. ثمّ أنشدَ غيرَ مُرتَبِكٍ:
عِشْ بالخِداعِ فأنتَ في ... دهْرٍ بَنوهُ كأُسْدِ بِيشَهْ
وأدِرْ قَناةَ المَكْرِ حت ... ى تسْتَديرَ رَحى المَعيشَهْ
وصِدِ النّسورَ فإنْ تعذ ... رَ صيدُها فاقْنَعْ بريشَهْ
واجْنِ الثّمارَ فإنْ تفُتْ ... كَ فرَضّ نفسَكَ بالحشيشَهْ
وأرِحْ فؤادَكَ إنْ نَبا ... دهْرٌ منَ الفِكَرِ المُطيشَهْ
فتغايُرُ الأحْداثِ يؤ ... ذِنُ باستِحالَةِ كُلّ عيشَهْ

مقامات الحريري : المقامة الحَجْرِيّة

المقامة الحَجْرِيّة :
حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: احتَجْتُ الى الحِجامَةِ. وأنا بحَجْرِ اليَمامةِ. فأُرشِدْتُ الى شيخٍ يحْجُمُ بلَطافَةٍ. ويسفِرُ عنْ نَظافَةٍ. فبعَثْتُ غُلامي لإحْضارِهِ. وأرْصَدْتُ نفْسي لانتِظارِهِ. فأبْطأ بعْدَما انطلَقَ. حتى خِلتُهُ قد أبَقَ. أو ركِبَ طبَقاً عنْ طبَقٍ. ثمّ عادَ عوْدَ المُخفِقِ مسْعاهُ. الكَلِّ على موْلاهُ. فقُلْتُ لهُ: ويلَكَ أبُطْءَ فِنْدٍ. وصُلودَ زَندٍ؟ فزَعَم أنّ الشيخَ أشْغَلُ من ذاتِ النِّحْيَيْنِ. وفي حربٍ كحَرْبِ حُنَينٍ. فعِفتُ المَمْشى الى حجّامٍ. وحِرْتُ بين إقدامٍ وإحْجامٍ. ثمّ رأيتُ أنْ لا تعْنيفَ. على منْ يأتي الكَنيفَ. فلمّا شهِدْتُ موسِمَهُ. وشاهدْتُ مِيسَمَهُ. رأيتُ شيْخاً هيئَتُهُ نَظيفَةٌ. وحركَتُهُ خَفيفَةٌ. وعليْهِ منَ النّظارَةِ أطْواقٌ. ومنَ الزِّحامِ طِباقٌ. وبينَ يَدَيْهِ فتًى كالصَّمْصامَةِ. مُستَهدِفٌ للحِجامَةِ. والشيخُ يقولُ له: أراكَ قد أبرَزْتَ راسَكَ. قبلَ أن تُبرِزَ قِرْطاسَكَ. ووَلّيتَني قَذالَكَ. ولمْ تقُلْ لي ذا لَكَ. ولستُ ممّنْ يبيعُ نقْداً بدَينٍ. ولا يطلُبُ أثَراً بعدَ عينٍ. فإنْ أنتَ رضَخْتَ بالعَينِ. حُجِمْتَ في الأخدَعَينِ. وإنْ كُنتَ ترى الشُحّ أوْلى. وخزْنَ الفَلْسِ في النّفْسِ أحْلى. فاقْرأ عبَسَ وتولّى. واغْرُبْ عني وإلا. فقالَ الفتَى: والذي حرّمَ صوْغَ المَينِ. كما حرّمَ صيْدَ الحرَمَينِ. إني لأفْلَسُ منِ ابنِ يوْمَينِ. فثِقْ بسَيلِ تلْعَتي. وأنْظِرْني الى سَعَتي. فقالَ لهُ الشيخُ: ويْحَكَ إنّ مثَلَ الوُعودِ. كغرْسِ العودِ! هوَ بينَ أن يُدرِكَهُ العطَبُ. أو يُدرَكُ منهُ الرُّطَبُ. فما يُدْرِيني أيَحْصُلُ منْ عودِكَ جَنًى. أم أحصُلُ منهُ على ضنًى؟ ثمّ ما الثّقَةُ بأنّكَ حينَ تبتَعِدُ. ستَفي بما تعِدُ؟ وقد صارَ الغدْرُ كالتّحْجيلِ. في حِليَةِ هذا الجيلِ. فأرِحْني باللهِ منَ التّعذيبِ. وارْحَلْ الى حيثُ يَعْوي الذّيبُ. فاسْتَوى الغُلامُ إليْهِ. وقدِ استوْلى الخجَلُ علَيْهِ. وقال: واللهِ ما يَخيسُ بالعهْدِ. غيرُ الخَسيسِ الوغْدِ. ولا يرِدُ غَديرَ الغَدْرِ. إلا الوَضيعُ القدْرِ. ولوْ عرَفْتَ منْ أنا. لما أسمَعْتَني الخَنا. لكنّكَ جهِلْتَ فقُلْتَ. وحيثُ وجَبَ أنْ تسْجُدَ بُلْتَ. وما أقبَحَ الغُربَةَ والإقلالَ. وأحسَنَ قوْلَ منْ قال:
إنّ الغَريبَ الطّويلَ الذّيلِ ممتَهَنٌ ... فكيفَ حالُ غَريبٍ ما لهُ قوتُ
لكنّهُ ما تَشينُ الحُرُّ موجِعَةٌ ... فالمِسكُ يُسحَقُ والكافورُ مَفتوتُ
وطالَما أُصْليَ الياقوتُ جمرَ غضًى ... ثمّ انطَفى الجمرُ والياقوتُ ياقوتُ

فقالَ لهُ الشيخُ: يا ويلَةَ أبيكَ. وعوْلَةَ أهليكَ! أأنْتَ في موقِفِ فخْرٍ يُظهَرُ. وحسَبٍ يُشهَرُ. أم موقِفِ جِلْدٍ يُكشَطُ. وَقَفاً يُشْرَطُ؟ وهبْ أنّ لكَ البيتَ. كما ادّعَيتَ. أيَحْصُلُ بذلِكَ. حَجْمُ قَذالِكَ؟ لا واللهِ ولوْ أنّ أباكَ أنافَ. على عبْدِ مُنافٍ. أو لخالِكَ دانَ. عبدُ المَدانِ. فلا تضْرِبْ في حَديدٍ بارِدٍ. ولا تطْلُبْ ما لسْتَ لهُ بواجِدٍ. وباهِ إذا باهَيْتَ بموجودِكَ. لا بحُدودِكَ. وبمَحْصولِكَ. لا بأصولِكَ. وبصِفاتِكَ. لا برُفاتِكَ. وبأعْلاقِكَ. لا بأعْراقِكَ. ولا تُطِعِ الطّمَعَ فيُذِلَّكَ. ولا تتّبِعِ الهَوى فيُضِلّكَ. وللهِ القائلُ لابنِهِ:
بُنيّ استَقِمْ فالعُودُ تَنمي عُروقُهُ ... قَويماً ويغْشاهُ إذا ما التَوى التّوَى
ولا تُطِعِ الحِرْصَ المُذِلّ وكنْ فتًى ... إذا التَهَبتْ أحشاؤهُ بالطّوى طوَى
وعاصِ الهَوى المُرْدي فكم من محَلِّقٍ ... إلى النّجْمِ لمّا أنْ أطاعَ الهَوى هوَى
وأسعِفْ ذوي القُربى فيقبُحُ أن يُرى ... على من إلى الحرّ اللُّبابِ انضوى ضوَى
وحافِظْ على مَنْ لا يخونُ إذا نَبا ... زمانٌ ومن يرْعى إذا ما النوى نوَى
وإنْ تقتدرْ فاصْفحْ فلا خيرَ في امرِئٍ ... إذا اعتلَقتْ أظفارُهُ بالشّوى شَوى
وإيّاكَ والشّكوى فلمْ ترَ ذا نُهًى ... شكا بل أخو الجهل الذي ما ارعوى عوى

فقالَ الغُلامُ للنّظّارَةِ: يا للعَجيبةِ. والطُرفَةِ الغَريبةِ! أنْفٌ في السّماء. واسْتٌ في الماء! ولفْظٌ كالصّهْباء. وفِعْلٌ كالحَصْباء! ثمّ أقبلَ على الشيخِ بلِسانٍ سَليطٍ. وغيظٍ مُستَشيطٍ. وقال: أفٍّ لكَ منْ
صوّاغٍ باللّسانِ. روّاغٍ عنِ الإحْسانِ! تأمُرُ بالبِرّ. وتعُقّ عُقوقَ الهِرّ. فإنْ يكُنْ سبَبُ تعنُّتِكَ. نَفاقَ صنعَتِكَ. فرَماها اللهُ بالكَسادِ. وإفْسادِ الحُسّادِ. حتى تُرى أفرَغَ منْ حَجّامِ ساباطَ. وأضيَقَ رِزْقاً منْ سمّ الخِياطِ. فقال لهُ الشيخُ: بلْ سلّطَ اللهُ عليْكَ بَثْرَ الفَمِ. وتبيُّغَ الدّمِ. حتى تُلْجأ الى حجّامٍ عظيمِ الاشْتِطاطِ. ثَقيلِ الاشْتِراطِ. كَليلِ المِشْراطِ. كثيرِ المُخاطِ والضُّراطِ. قال: فلمّا تبيّنَ الفتى أنهُ يشْكو الى غيْرِ مُصَمَّتٍ. ويُراوِدُ استِفْتاحَ بابٍ مُصْمَتٍ. أضْرَبَ عنْ رجْعِ الكَلامِ. واحتفَزَ للقيامِ. وعلِمَ الشيخُ أنهُ قدْ ألامَ. بما أسمَعَ الغُلامَ. فجنَحَ الى سِلمِهِ. وبذَلَ أنْ يُذعِنَ لحُكمِهِ. ولا يَبْغي أجْراً على حَجْمِهِ. وأبى الغُلامُ إلاّ المَشْيَ بدائِهِ. والهرَبَ منْ لِقائِهِ. وما زالا في حِجاجٍ وسِبابٍ. ولِزازٍ وجِذابٍ. الى أن ضجّ الفَتى منَ الشِّقاقِ. وتَلا رُدنُهُ سورَةَ الانشِقاقِ. فأعْوَلَ حينئِذٍ لوَفارَةِ خُسرِهِ. وانعِطاطِ عِرْضِهِ وطِمْرِهِ. وأخذَ الشيخُ يعتَذِرُ منْ فرَطاتِهِ. ويُغيِّضُ منْ عبَراتِهِ. وهوَ لا يُصْغي الى اعتِذارِهِ. ولا يقصِّرُ عنِ استِعْبارِهِ. الى أنْ قالَ لهُ: فَداكَ عمُّكَ. وعدَاكَ ما يغُمُّكَ! أما تسْأمُ الإعْوالَ. أما تعرِفُ الاحتِمالَ. أمَا سمِعْتَ بمَنْ أقالَ. وأخذَ بقولِ منْ قال:
أخمِدْ بحِلمكَ ما يُذكيهِ ذو سفَهٍ ... من نارِ غيظكَ واصْفَحْ إن جنى جانِ
فالحِلمُ أفضَلُ ما ازْدانَ اللّبيبُ بهِ ... والأخذُ بالعَفوِ أحْلى ما جَنى جانِ

فقال لهُ الغُلام: أمَا إنّكَ لو ظهرْتَ على عيْشيَ المُنكَدِرِ. لعَذَرْتَ في دمْعيَ المُنهَمِرِ. ولكِنْ هانَ على الأملَسِ ما لاقَى الدّبِرُ. ثمّ كأنّهُ نزَعَ الى الاستِحْياء. فأقْلَعَ عنِ البُكاء. وفاء الى الارْعِواء. وقال للشيخِ: قدْ صِرْتُ الى ما اشتَهَيْتَ. فارْقَعْ ما أوْهَيتَ. فقال: هيْهاتَ شغلَتْ شِعابي جَدوايَ. فشِمْ بارِقَ سِوايَ. ثمّ إنهُ نهضَ يستَقْري الصّفوفَ. ويستَجْدي الوُقوفَ. ويُنشِدُ في ضِمْنِ ما هوَ يطوفُ:
أُقسِمُ بالبيتِ الحرامِ الذي ... تهْوي إليْهِ الزُمَرُ المُحرِمَهْ
لوْ أنّ عِندي قُوتَ يومٍ لَما ... مسّتْ يَدي المِشْراطَ والمِحجَمهْ
ولا ارتضَتْ نفْسي التي لمْ تزَلْ ... تسْمو الى المجْدِ بهذي السِّمَهْ
ولا اشْتَكى هذا الفتى غِلظَةً ... منّي ولا شاكَتْهُ منّي حُمَهْ
لكِنْ صُروفُ الدّهرِ غادَرْنني ... كخابِطٍ في اللّيلَةِ المُظلِمَهْ
واضْطَرّني الفقْرُ الى موقِفٍ ... منْ دونِهِ خوْضُ اللّظى المُضرَمه
فهلْ فتًى تُدرِكُهُ رِقّةٌ ... عليّ أو تعطِفُهُ مَرْحَمَهْ

قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فكُنتُ أوّلَ منْ أوى لبَلْواهُ. ورقّ لشَكْواهُ. فنفَحْتُهُ بدِرْهَمَينِ. وقلتُ: لا كانا ولوْ كانَ ذا مَيْنٍ! فابتهَجَ بباكُورَةِ جَناهُ. وتفاءلَ بهِما لغِناهُ. ولمْ تزَلِ الدّراهِمُ تنْهالُ عليْهِ. وتنْثالُ لديْهِ. حتى آلَ ذا عيشَةٍ خضْراء. وحَقيبةٍ بجْراء. فازْدهاهُ الفرَحُ عندَ ذلِكَ. وهنّأ نفْسَهُ بما هُنالِكَ. وقال للغُلام: هَذا ريْعٌ أنتَ بَذرُهُ. وحلَبٌ لكَ شطرُهُ. فهلُمّ لنَقتَسِمَ. ولا نحْتَشِمْ. فتقاسَماهُ بينَهُما شقَّ الأبلَمَةِ. ونهَضا مُتّفِقَي الكَلِمَةِ. ولمّا انتظَمَ بينهُما عقْدُ الاصْطلاحِ. وهمّ الشيخُ بالرّواحِ. قُلتُ له: قدْ تبوّغَ دَمي. ونقلْتُ إليْكَ قدَمي. فهلْ لكَ أن تحْجُمَني. وتُكفْكِفَ ما دهَمَني؟ فصوّبَ طرْفَهُ وصعّد. ثمّ ازْدَلَفَ إليّ وأنشدَ:
كيفَ رأيتَ خُدْعَتي وختْلي ... وما جرى بيْني وبينَ سخْلي
حتى انثَنَيْتُ فائِزاً بالخصْلِ ... أرْعى رياضَ الخِصْبِ بعدَ المحلِ
باللهِ يا مُهجةَ قلْبي قلْ لي ... هلْ أبصرَتْ عيناكَ قطُّ مثلي
يفتَحُ بالرُقيَةِ كلَّ قُفْلِ ... ويستَبي بالسّحْرِ كلَّ عقْلِ
ويعجِنُ الجِدّ بماء الهزْلِ ... إنْ يكُنِ الإسكَندَريُّ قبْلي
فالطّلُّ قد يبْدو أمامَ الوَبْلِ ... والفضْلُ للوابِلِ لا للطّلِّ

قال: فنبّهَتْني أُرجوزَتُهُ عليْهِ. وأرَتْني أنهُ شيخُنا المُشارُ إليهِ. فقرّعْتُهُ على الابتِذالِ. والاتِحاقِ بالأرْذالِ. فأعْرضَ عمّا سمِعَ. ولمْ يُبَلْ بِما قُرّعَ. وقال: كُلَّ الحِذاء يحْتَذي الحافي الوَقِعُ. ثمّ قاصاني مُقاصاةَ المُهانِ. وانطلَقَ هوَ وابنُهُ كفَرَسيْ رِهانٍ.
قال الشيخ الإمام الرئيس أبو محمد القاسم بن علي رضي الله عنه قد أودعت هذه المقامة بضعة عشر مثلاً من أمثال العرب وما أنا أفسر ما أخاله يلتبس على من يقتسر. أما قوله (بطء فند) فهو مولى عائشة بنت سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وكانت بعثته بالمدينة ليقتبس لها ناراً فقصد من فوره مصر وأقام بها سنة ثم جاءها بعد السنة وهو يشتد ومعه جمر فتبدد منه فقال تعست الحجلة. وأما قوله (أنف في السماء واست في الماء) فيضرب هذا المثل لمن يكبر مقالاً ويصغر فعالاً. وأما قوله (افرغ من حجام ساباط) فذكر أنه كان حجاماً ملازماً ساباط المدائن. يحجم الجندي بدانق نسيئة وربما مرت عليه برهة لا يقرئه فيها حد فكان يبرز أمه عند تمادي عطلته فيحجمها لكيلاً يقرع بالبطالة فما زال يحجمها حتى نزف دمياً وماتت. وأما قوله (يشكو إلى غير مصمت) فهو مثل يضرب لمن لا يكترث بشأن صاحبه ولا يعبأ باستمرار شكايته لأنه لو أشكاه لصمت وأمسك عن الكلام ومنه قول الراجز يحاطب جملاً له
إنك لا تشكو إلى مصمت ... فاصبر على الحمل القبل لو مت

ونحو هذا المثل (هان على الأملس ما لاقى الدير) وأما قوله (شعلت شعابي حدواي) فالمراد به أنه ليس يفضل عني ما أصرفه إلى غيري والشعاب هي النواحي واحدها شعب. وقوله (كل الحذاء يحتذى الحافي الوقع) معناه أن المجهود يقنع بما يحد والوقع أن تصيب الحجارة القدم فتوهنها ف أما البعير الموقع فهو الذي يكثر آثار الكسر لظهره.

مقامات الحريري : المقامة الحلبيّة

المقامة الحلبيّة :
روى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: نزعَ بي الى حلَبَ. شوْقٌ غلَبَ. وطلَبٌ يا لهُ من طلَبٍ! وكنتُ يومَئِذٍ خَفيفَ الحاذِ. حَثيثَ النّفاذِ. فأخذْتُ أُهبَةَ السيرِ. وخفَفْتُ نحوَها خُفوفَ الطّيرِ. ولمْ أزَلْ مُذْ حلَلْتُ رُبوعَها. وارْتبَعْتُ ربيعَها. أُفاني الأيّامَ. في ما يَشْفي الغَرامَ. ويُرْوي الأُوامَ. الى أنْ أقْصرَ القلْبُ عنْ وَلوعِهِ. واسْتَطارَ غُرابُ البينِ بعْدَ وقوعِهِ. فأغْراني البالُ الخِلْوُ. والمرَحُ الحُلوُ. بأنْ أقصِدَ حِمْصَ. لأصْطافَ ببُقعَتِها. وأسبُرَ رَقاعَةَ أهلِ رُقعتِها. أفْرَعْتُ إليْها إسْراعَ النّجْمِ. إذا انْقَضّ للرّجْمِ. فحينَ خيّمتُ برُسومِها. ووجَدْتُ رَوْحَ نَسيمِها. لمحَ طَرْفي شيْخاً قد أقبلَ هَريرُهُ. وأدبَرَ غَريرُهُ. وعندَهُ عشَرَةُ صِبْيانٍ. صِنْوانٌ وغيرُ صِنْوانٍ. فطاوَعْتُ في قصْدِهِ الحِرصَ. لأخبُرَ بهِ أُدَباءَ حِمصَ. فبَشّ بي حينَ وافَيتُهُ. وحيّا بأحسَنَ ممّا حيّيتُهُ. فجلسْتُ إليْهِ لأبلوَ جنى نُطقِهِ. وأكْتَنِهَ كُنْهَ حُمقِهِ. فما لبِثَ أنْ أشارَ بعُصَيّتِهِ. الى كُبْرِ أُصَيْبِيَتِهِ. وقال لهُ: أنشِدِ الأبياتَ العَواطِلَ. واحْذَرْ أن تُماطِلَ. فجَثا جِثوَةَ ليْثٍ. وأنشدَ منْ غيرِ ريْثٍ:
أعْدِدْ لحُسّادِكَ حدّ السّلاحْ ... وأوْرِدْ وِرْدَ السّماحْ
وصارِمِ اللهْوَ ووصْلَ المَها ... وأعمِلِ الكومَ وسُمرَ الرّماحْ
واسْعَ لإدْراكِ محَلٍّ سَما ... عِمادُهُ لا لادّراعِ المِراحْ
واللهِ ما السّؤدُدُ حسْوُ الطِّلا ... ولا مَرادُ الحَمدِ رُودٌ رَداحْ
واهاً لحُرٍّ واسِعٍ صدرُهُ ... وهمُّهُ ما سَرّ أهْلَ الصّلاحْ
مورِدُهُ حُلوٌ لسؤّالِهِ ... ومالُهُ ما سألوهُ مُطاحْ
ما أسمَعَ الآمِلَ رَدّاً ولا ... ماطَلَهُ والمطْلُ لؤمٌ صُراحْ
ولا أطاعَ اللهْوَ لمّا دَعا ... ولا كَسا راحاً لهُ كأسَ راحْ
سوّدَهُ إصْلاحُهُ سرَّهُ ... ورَدْعُهُ أهْواءهُ والطِّماحْ
وحصّلَ المدْحَ لهُ علمُهُ ... ما مُهِرَ العورُ مُهورَ الصِّحاحْ

فقال لهُ: أحسَنتَ يا بُدَيرُ. يا رأسَ الدّيرِ! ثمّ قالَ لتِلوِهِ. المُشتَبِهِ بصِنْوِهِ: ادنُ يا نُوَيرَةُ. يا قمَرَ الدُوَيرَةِ! فدَنا ولمْ يتَباطا. حتى حلّ منهُ مقْعَدَ المُعاطى. فقال لهُ: اجْلُ الأبْياتَ العَرائِسَ. وإنْ لمْ يكُنّ نَفائِسَ. فبَرى القلَم وقَطّ. ثمّ احْتَجَرَ اللّوْحَ وخطّ:
فتَنَتْني فجنّنَتْني تجَنّي ... بتَجنٍّ يفْتَنّ غِبَّ تجَنّي
شغَفَتني بجَفنِ ظَبْيٍ غَضيضٍ ... غنِجٍ يقْتَضي تغَيُّضَ جَفْني
غَشيَتْني بزِينتَينِ فشفّتْ ... ني بزِيٍّ يشِفّ بينَ تثَنّي
فتظَنّيتُ تجْتَبيني فتجْزي ... ني بنَفْثٍ يشْفي فخُيّبَ ظنّي
ثبّتَتْ فيّ غِشّ جيْبٍ بتَزْيي ... نِ خَبيثٍ يبْغي تشَفّيَ ضِغْن
فنَزَتْ في تجنّي فثنَتْ ... ني بنَشيجٍ يُشْجي بفَنٍّ ففَنّ

فلمّا نظرَ الشيخُ الى ما حبّرَهُ. وتصفّحَ ما زبَرَهُ. قال له: بورِكَ فيكَ منْ طَلاً. كما بورِكَ في لا ولا. ثمّ هتَفَ: اقْرُبْ. يا قُطْرُبُ. فاقْتَرَبَ منهُ فتًى يحْكي نجْمَ دُجْيةٍ. أو تِمْثالَ دُميةٍ. فقال لهُ: ارْقُمِ الأبْياتَ الأخْيافَ. وتجنّبِ الخِلافَ. فأخذَ القلَمَ ورقَمَ:
إسْمَحْ فبَثُّ السّماحِ زَينٌ ... ولا تُخِبْ آمِلاً تضَيّفْ
ولا تُجِزْ رَدَّ ذي سؤالٍ ... فنّنَ أم في السّوالِ خفَّفْ
ولا تظُنّ الدّهورَ تُبقي ... مالَ ضَنينٍ ولوْ تقَشّفْ
واحلُمْ فجفنُ الكرامِ يُغضي ... وصَدرُهمْ في العَطاء نفنَفْ
ولا تخُنْ عهْدَ ذي وِدادٍ ... ثبْتٍ ولا تبْغِ ما تزيَّفْ

فقال له: لا شَلّتْ يَداكَ. ولا كلّتْ مُداكَ. ثمّ نادى: يا عشَمْشَمُ. يا عِطْرَ منْشَمَ! فلبّاهُ غُلامٌ كدُرّةِ غوّاصٍ. أو جُؤذُرِ قنّاصٍ. فقالَ لهُ: اكتُبِ الأبياتَ المَتائِيمَ. ولا تكُنْ منَ المَشائيمِ. فتناولَ القلَمَ المثقّفَ. وكتبَ ولمْ يتوقّفْ:
زُيّنتْ زينَبٌ بقَدٍّ يقُدُّ ... وتَلاهُ ويْلاهُ نهْدٌ يهُدُّ
جُندُها جيدُها وظَرفٌ وطَرْفٌ ... ناعِسٌ تاعِسٌ بحدٍّ يَحُدُّ
قدرُها قدْ زَها وتاهَتْ وباهَتْ ... واعْتَدَتْ واغتَدَتْ بخَدٍّ يخُدّ
فارَقَتْني فأرّقَتْني وشطّتْ ... وسطَتْ ثمّ نمّ وجْدٌ وجَدّ
فدَنَتْ فدّيَتْ وحنّتْ وحيّتْ ... مُغضَباً مُغضِياً يوَدّ يُوَدّ

فطفِقَ الشيخُ يتأمّلُ ما سطَرَهُ. ويقلّبُ فيهِ نظرَهُ. فلمّا استحسَنَ خطَّهُ. واستَصَحّ ضبْطَهُ. قال لهُ: لا شَلّ عشرُكَ. ولا استُخبِثَ نشْرُكَ. ثمّ أهابَ بفتًى فتّان. يسفِرُ عنْ أزهارِ بُستانٍ. فقالَ لهُ: أنشِدِ البَيتينِ المُطرَفَينِ. المُشتَبِهَيِ الطّرفَينِ. اللذَينِ أسْكَتا كلّ نافِثٍ. وأمِنا أنْ يعَزَّزا بثالِثٍ. فقالَ له: اسمَعْ لا وُقِرَ سمْعُكَ. ولا هُزِمَ جمعُكَ. وأنشدَ منْ غيرِ تلبّثٍ. ولا تريّثٍ:
سِمْ سِمَةً تحْسُنُ آثارُها ... واشكُرْ لمنْ أعطى ولوْ سِمسِمَهْ
والمكْرُ مهْما استطَعْتَ لا تأتِهِ ... لتَقْتَني السّؤدَدَ والمَكرُمَهْ

فقال لهُ: أجدْتَ يا زُغْلولُ. يا أبا الغُلولِ. ثمّ نادَى: أوضِح يا ياسينُ. ما يُشكِلُ من ذَواتِ السّينِ. فنهضَ ولمْ يتأنّ. وأنشدَ بصوْتٍ أغنّ:
نِقْسُ الدّواةِ ورُسغُ الكفّ مُثبَتةٌ ... سيناهُما إنْ هُما خُطّا وإنْ دُرِسا
وهكذا السّينُ في قسْبٍ وباسِقَةٍ ... والسفحِ والبخس واقسِرْ واقتبس قبَسا
وفي تقسّسْتُ باللّيلِ الكلامَ وفي ... مُسيطرٍ وشَموسٍ واتخِذْ جرَسا
وفي قَريسٍ وبرْدٍ قارِسٍ فخذِ ال ... صّوابَ منّي وكُنْ للعِلمِ مُقتَبِسا

فقال لهُ: أحسنْتَ يا نُغَيشُ. يا صنّاجةَ الجيْشِ. ثمّ قال: ثِبْ يا عَنبَسَةُ. وبيّنِ الصّاداتِ المُلتَبِسَةَ. فوثبَ وِثبَةَ شِبلٍ مُثارٍ. ثم أنشَدَ من غيرِ عِثارٍ:
بالصّادِ يُكتَبُ قد قبَصْتُ دراهِماً ... بأنامِلي وأصِخْ لتَستَمِعَ الخَبَرْ
وبصَقْتُ أبصُقُ والصِّماخُ وصَنجةٌ ... والقَصُّ وهْوَ الصّدرُ واقتصّ الأثَرْ
وبخَصْتُ مُقلتَهُ وهَذي فُرصَةٌ ... قد أُرعِدَتْ منهُ الفَريصَةُ للخَوْرِ
وقصَرْتُ هِنداً أي حبَستُ وقد دنا ... فِصْحُ النّصارَى وهْوَ عيدٌ مُنتظَر
وقرَصْتُهُ والخمْرُ قارِصَةٌ إذا ... حذَتِ اللّسانَ وكلّ هذا مُستَطَرْ

فقال له: رَعْياً لكَ يا بُنيّ. فلقدْ أقرَرْتَ عينيّ. ثمّ استَنْهَضَ ذا جُثّةٍ كالبَيذَقِ. ونَعشَةٍ كالسّوذَقِ. وأمرَهُ بأنْ يقِفَ بالمِرصادِ. ويسرُدَ ما يجْري على السّينِ والصّادِ. فنهضَ يسحَبُ بُردَيْهِ. ثمّ أنشَدَ مُشيراً بيدَيْهِ:
إنْ شِئْتَ بالسّينِ فاكتُبْ ما أبيّنهُ ... وإنْ تَشأ فهْوَ بالصّاداتِ يُكتَتَبُ
مَغسٌ وفَقسٌ ومُسطارٌ ومُمّلسٌ ... وسالغٌ وسِراطُ الحقّ والسّقَبُ
والسّامِغانِ وسقْرٌ والسَّويقُ ومِسْ ... لاقٌ وعن كل هذا تُفصحُ الكُتُبُ

فقال له: أحسَنتَ يا حبَقَةُ. يا عينَ بقّةَ. ثمّ نادى: يا دَغْفَلُ. يا أبا زَنفَلَ. فلبّاهُ فتًى أحسَنُ منْ بيضَةٍ. في روضَةٍ. فقال له: ما عَقْدُ هِجاء الأفعالِ. التي أخِرُها حرْفُ اعتِلالٍ؟ فقال: اسْمَعْ لا صُمّ صَداكَ. ولا سمِعَتْ عِداكَ! ثمّ أنشدَ. وما استَرشَدَ:
إذا الفِعْلُ يوماً غُمّ عنْكَ هجاؤه ... فألحِقْ بهِ تاء الخِطابِ ولا تقِفْ
فإنْ ترَ قبْلَ التّاء ياءً فكَتْبُهُ ... بياءٍ وإلا فهْوَ يُكتَبُ بالألِفْ
ولا تحسُبِ الفِعلَ الثّلاثيّ والذي ... تعدّاهُ والمهموزُ في ذاك يختلِفْ

فطَرِبَ الشيخُ لما أدّاهُ. ثمّ عوّذَهُ وفدّاهُ. ثمّ قال: هلمّ يا قَعْقاعُ. يا باقِعَةَ
البِقاعِ. فأقْبَلَ فتًى أحسَنُ منْ نارِ القِرى. في عينِ ابنِ السُرَى. فقال له: اصدَعْ بتمْييزِ الظّاء منَ الضادِ. لتَصْدَعَ بهِ أكْبادَ الأضْدادِ. فاهتَزّ لقوْلِهِ واهتَشّ. ثمّ أنشَدَ بصوتٍ أجَشّ:
أيها السائلي عنِ الضّادِ والظّا ... ء لكَيْلا تُضِلّهُ الألْفاظُ
إنّ حِفظَ الظّاءات يُغنيكَ فاسمع ... ها استِماعَ امرِئٍ لهُ استيقاظُ
هيَ ظَمْياءُ والمظالِمُ والإظْ ... لامُ والظَّلْمُ والظُّبَى واللَّحاظُ
والعَظا والظّليمُ والظبيُ والشّيْ ... ظَمُ والظّلُّ واللّظى والشّواظُ
والتّظَنّي واللّفْظُ والنّظمُ والتق ... ريظُ والقَيظُ والظّما واللَّماظُ
والحِظا والنّظيرُ والظّئرُ والجا ... حِظُ والنّاظِرونَ والأيْقاظُ
والتّشظّي والظِّلفُ والعظمُ والظّن ... بوبُ والظَّهْرُ والشّظا والشِّظاظُ
والأظافيرُ والمظَفَّرُ والمحْ ... ظورُ والحافِظونَ والإحْفاظُ
والحَظيراتُ والمَظِنّةُ والظِّنّ ... ةُ والكاظِمونَ والمُغْتاظُ
والوَظيفاتُ والمُواظِبُ والكِظّ ... ةُ والإنتِظارُ والإلْظاظُ
ووَظيفٌ وظالِعٌ وعظيمٌ ... وظَهيرٌ والفَظُّ والإغْلاظُ
ونَظيفٌ والظَّرْفُ والظّلَفُ الظّا ... هِرُ ثمّ الفَظيعُ والوُعّاظُ
وعُكاظٌ والظَّعْنُ والمَظُّ والحنْ ... ظَلُ والقارِظانِ والأوْشاظُ
وظِرابُ الظِّرّانِ والشّظَفُ البا ... هِظُ والجعْظَريُّ والجَوّاظُ
والظَّرابينُ والحَناظِبُ والعُنْ ... ظُبُ ثمّ الظّيّانُ والأرْعاظُ
والشَّناظِي والدَّلْظُ والظّأبُ والظَّبْ ... ظابُ والعُنظُوانُ والجِنْعاظُ
والشّناظيرُ والتّعاظُلُ والعِظْ ... لِمُ والبَظْرُ بعْدُ والإنْعاظُ
هيَ هذي سِوى النّوادِرِ فاحفَظْ ... ها لتَقْفو آثارَكَ الحُفّاظُ
واقضِ في ما صرّفتَ منها كما تق ... ضيهِ في أصْلِهِ كقَيْظٍ وقاظوا
فقال لهُ الشيخُ: أحسنْتَ لا فُضّ فوكَ. ولا بُرّ منْ يجفوكَ. فوَاللهِ إنّكَ معَ الصِّبا الغَضّ. لأحْفَظُ منَ الأرضِ. وأجمَعُ من يومِ العرْضِ. ولقدْ أورَدْتُك ورُفْقتَكَ زُلالي. وثقّفْتُكُم تثْقيفَ العَوالي. فاذْكُروني أذكُرْكُمْ واشْكُروا لي وَلا تكفُرون. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فعجِبْتُ لما أبْدى من بَراعَةٍ. معجونَةٍ برِقاعَةٍ. وأظهَرَ منْ حَذاقَةٍ. ممزوجَةٍ بحَماقَةٍ. ولمْ يزَلْ بصَري يُصَعِّدُ فيهِ ويصوِّبُ. وينقِّرُ عنهُ وينقِّبُ. وكنتُ كمنْ ينظُرُ في ظَلْماء. أو يَسري في بهْماء. فلما استَراثَ تنبُّهي. واسْتَبان تدلُّهي. حمْلقَ إليّ وتبسّمَ. وقال: لمْ يبقَ مَنْ يتوسّمُ. فبُهْتُ لفَحْوى كلامِهِ. ووجَدْتُهُ أبا زيدٍ عندَ ابتِسامِهِ. فأخذْتُ ألومُهُ على تديُّرِ بُقعَةِ النَّوْكى. وتخيُّرِ حِرفَةِ الحمْقَى. فكأنّ وجهَهُ أُسِفّ رَماداً. أو أُشرِبَ سَواداً. إلا أنهُ أنشدَ وما تَمادى:
تخيّرْتُ حِمْصَ وهَذي الصّناعهْ ... لأُرزَقَ حُظوَةَ أهلِ الرَّقاعَهْ
فما يَصطَفي الدّهرُ غيرَ الرّقيعِ ... ولا يوطِنُ المالَ إلا بِقاعَهْ
ولا لأخي اللُّبّ منْ دهْرِهِ ... سوى ما لعَيْرٍ رَبيطٍ بِقاعَهْ

ثم قال: أمَا إنّ التعليمَ أشرَفُ صِناعةٍ. وأربَحُ بِضاعةٍ. وأنجَعُ شَفاعةٍ. وأفضَلُ براعَةٍ. وربُّهُ ذو إمْرَةٍ مُطاعَةٍ. وهيبَةٍ مُشاعَةٍ. ورعيّةٍ مِطواعةٍ. يتسيْطَرُ تسيْطُرَ أميرٍ. ويرتِّبُ ترْتيبَ وزيرٍ. ويتحكّمُ تحكُّمَ قَديرٍ. ويتشبّهُ بِذي مُلْكٍ كبيرٍ. إلا أنهُ يخْرَفُ في أمَدٍ يَسيرٍ. ويتّسِمُ بحُمقٍ شَهيرٍ. ويتقلّبُ بعقْلٍ صَغيرٍ. ولا يُنَبّئكَ مثلُ خَبيرٍ. فقلتُ لهُ: تاللهِ إنّكَ لابنُ الأيّامِ. وعلَمُ الأعلامِ. والسّاحِرُ اللاعِبُ بالأفْهامِ. المُذَلَّلُ لهُ سُبُلُ الكَلامِ. ثمّ لمْ أزَلْ معتَكِفاً بنادِيهِ. ومُغتَرِفاً منْ سيْلِ وادِيهِ. الى أن غابَتِ الأيامُ الغُرُّ. ونابَتِ الأحْداثُ الغُبْرُ. ففارقْتُهُ ولعَيْني العُبْرُ.

مقامات الحريري : المقامة الرّمليّة

المقامة الرّمليّة :
حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: كنتُ أخذْتُ عنْ أولي التّجارِيبِ. أنّ السّفَرَ مِرآةُ الأعاجيبِ. فلمْ أزَلْ أجوبُ كلّ تَنوفَةٍ. وأقتَحِمُ كُلّ مَخوفَةٍ. حتى اجتَلَبْتُ كلّ أُطروفَةٍ. فمِنْ أحسَنِ ما لمحْتُهُ. وأغْرَبِ ما استَمْلَحْتُهُ. أنْ حضَرْتُ قاضيَ الرّملَةِ. وكانَ منْ أربابِ الدّولَةِ والصّولَةِ. وقد تَرافَعَ إليْهِ بالٍ في بالٍ. وذاتُ جَمالٍ في أسْمالٍ. فهمّ الشيخُ بالكلامِ. وتِبْيانِ المَرامِ. فمنعَتْهُ الفَتاةُ منَ الإفْصاحِ. وخسأتْهُ عنِ النُباحِ. ثمّ نضَتْ عنها فَضْلَةَ الوِشاحِ. وأنشدَتْ بلِسانِ السّليطَةِ الوَقاحِ:
يا قاضيَ الرّملَةِ يا ذا الذي ... في يدِهِ التّمرَةُ والجَمْرَهْ
إليْكَ أشْكو جوْرَ بعْلي الذي ... لمْ يحجُجِ البيتَ سوى مرّهْ
ولَيْتَهُ لمّا قضى نُسكَهُ ... وخفّ ظَهراً إذْ رمى الجَمرَهْ
كانَ على رأيِ أبي يوسُفٍ ... في صِلَةِ الحِجّةِ بالعُمْرَهْ
هذا على أنّيَ مُذْ ضمّني ... إليْهِ لمْ أعْصِ لهُ أمْرَهْ
فمُرْهُ إمّا أُلفَةً حُلوَةً ... تُرْضي وإمّا فُرقَةً مُرّهْ
منْ قبلِ أنْ أخلَعَ ثوْبَ الحَيا ... في طاعَةِ الشيخِ أبي مرّهْ

فقال لهُ القاضي: قد سمِعتَ بما عزَتْكَ إليْهِ. وتوعّدَتْكَ عليْهِ. فجانِبْ ما عرّكَ. وحاذِرْ أنْ تُفرَكَ. وتُعْرَكَ. فجَثا الشيخُ على ثفِناتِهِ. وفجَرَ ينْبوعَ نفثَاتِهِ. وقال:
إسمَعْ عداكَ الذّمُّ قولَ امرئٍ ... يوضِحُ في ما رابَها عُذرَهْ
واللهِ ما أعْرَضْتُ عنها قِلًى ... ولا هَوَى قلبي قضى نذرَهْ
وإنّما الدهْرُ عَدا صرْفُهُ ... فابْتَزّنا الدُّرّةَ والذّرّهْ
فمنزِلي قفرٌ كما جِيدُها ... عُطْلٌ منَ الجَزْعَةِ والشّذْرَهْ
وكنتُ منْ قبْلُ أرى في الهَوى ... ودينِهِ رأيَ بني عُذرَهْ
فمُذْ نَبا الدهرُ هجَرْتُ الدُّمى ... هِجرانَ عفٍّ آخِذٍ حِذْرَهْ
ومِلتُ عنْ حَرْثيَ لا رغبَةً ... عنهُ ولكِنْ أتّقي بَذْرَهْ
فلا تلُمْ مَنْ هذِهِ حالُهُ ... واعطِفْ عليْهِ واحتَمِلْ هَذرَهْ

قال: فالتَظَتِ المرأةُ منْ مَقالِهِ. وانتضَتِ الحُجَجَ لجِدالِهِ. وقالتْ لهُ: ويلَكَ يا مَرْقَعانُ. يا مَنْ هُو لا طَعامٌ ولا طِعانٌ! أتَضيقُ بالولَدِ ذرْعاً. ولكُلّ أكولَةٍ مرْعًى؟ لقدْ ضلّ فهْمُكَ. وأخطأ سهمُكَ. وسفِهَتْ نفسُكَ. وشقِيَتْ بِكِ عِرسُكَ. فقال لها القاضي: أمّا أنتِ فلوْ جادَلتِ الخنْساء. لانثَنَتْ عنكِ خرْساء. وأما هوَ فإنْ كانَ صدَقَ في زعمِهِ. ودعْوى عُدْمِهِ. فلهُ في همّ قَبْقَبِهِ. ما يشغلُهُ عنْ ذبْذَبِهِ. فأطرَقَتْ تنظُرُ ازوِراراً. ولا تُرجِعُ حِواراً. حتى قُلْنا: قد راجعَها الخفَرُ. أو حاقَ بها الظّفَرُ. فقالَ لها الشيخُ: تعْساً لكِ إنْ زخْرفْتِ. أو كتَمْتِ ما عرَفْتِ! فقالت: ويْحَكَ وهلْ بعْدَ المُنافَرَةِ كتْمٌ. أو بقيَ لنا على سِرٍّ ختْمٌ؟ وما فينا إلا مَنْ صدَقَ. وهتَكَ صوْنَهُ إذ نطَقَ. فلَيتَنا لاقَيْنا البَكَمَ. ولمْ نلْقَ الحكَمَ. ثمّ التفَعَتْ بوِشاحِها. وتباكَتْ لافْتِضاحِها. وجعلَ القاضي يَعجَبُ منْ خطبِهِما ويُعجِّبُ. ويلومُ لهُما الدّهْرَ ويؤنِّبُ. ثمّ أحْضَرَ من الورِقِ ألْفَينِ. وقال: أرْضِيا بهِما الأجْوَفَينِ. وعاصِيا النّازغَ بينَ الإلْفينِ. فشَكَراهُ على حُسنِ السَّراحِ. وانطَلَقا وهُما كالماء والرّاحِ. وطفِقَ القاضي بعْدَ مسرَحِهِما. وتَنائي شبَحِهِما. يُثْني على أدَبِهِما. ويقول: هل منْ عارِفٍ بهِما؟ فقال لهُ عينُ أعْوانِهِ. وخالِصَةُ خُلْصانِهِ: أما الشيخُ فالسّروجيّ المشهودُ بفضلِهِ. وأما المرأةُ فقَعيدَةُ رحْلِه. وأمّا تحكُمُهما فمَكيدةٌ من فِعلِهِ. وأُحبولَةٌ من حبائِلِ ختْلِه! فأحْفَظَ القاضيَ ما سمِعَ. وتلهّبَ كيفَ خُدِعَ. ثمّ قال للواشي بهِما: قُمْ فرُدْهُما. ثم اقصِدْهُما وصِدْهُما. فنهضَ ينفُضُ مِذروَيْهِ. ثمّ عادَ يضرِبُ أصْدَرَيْهِ! فقال لهُ القاضي: أظهِرْنا على ما نبَثْتَ. ولا تُخْفِ عنّا ما استَخْبَثْتَ. فقال: ما زِلْتُ أستَقْري الطُّرُقَ. وأستَفتِحُ الغُلُقَ. الى أن أدرَكْتُهُما مُصْحِرَينِ. وقد زمّا مطيَّ البيْنِ. فرغّبتُهُما في العَلَلِ. وكفَلْتُ لهُما بنَيلِ الأمَلِ. فأُشْرِبَ قلبُ الشّيخِ أن ييْأسَ. وقال: الفِرارُ بقُرابٍ أكيَسُ! وقالتْ هيَ: بلِ العوْدُ أحمَدُ. والفَروقَةُ يَكْمَدُ. فلمّا تبيّن الشيخُ سفَهَ رائِها. وغَرَرَ اجتِرائِها. أمسكَ ذَلاذِلَها. ثمّ أنشأ يقول لها:
دونَكَ نُصْحي فاقتَفي سُبْلَهْ ... واغني عنِ التّفصيلِ بالجُملَهْ
طيري متى نقّرْتِ عن نخلَةٍ ... وطلّقِيها بتّةً بتْلَهْ
وحاذِري العوْدَ إليْها ولوْ ... سبّلَها ناطورُها الأبْلَهْ
فخيرُ ما للّصّ أنْ لا يُرى ... ببُقْعةٍ فيها لهُ عَمْلَهْ

ثمّ قال لي: لقدْ عُنّيتَ. في ما وُلّيتَ. فارجِعْ منْ حيثُ جِئْتَ. وقلْ لمُرسِلِكَ إن شِئْتَ:
رُوَيدَكَ لا تُعقِبْ جَميلَكَ بالأذى ... فتُضْحي وشملُ المال والحمد مُنصَدعْ
ولا تتغضّبْ منْ تزَيُّدِ سائِلٍ ... فما هوَ في صوْغِ اللّسانِ بمُبتدِعْ
وإنْ تكُ قد ساءتكَ مني خَديعَةٌ ... فقبلكَ شيخُ الأشعرِيّينَ قد خُدِعْ

فقالَ لهُ القاضي: قاتَلَهُ اللهُ فما أحسَنَ شُجونَهُ. وأملَحَ فنونَهُ! ثمّ إنّهُ أصْحَبَ رائِدَهُ بفرْدَينِ. وصُرّةً منَ العينِ. وقالَ لهُ: سِرْ سَيرَ منْ لا يرَى الالتِفاتَ. الى أن تَرى الشيْخَ والفَتاةَ. فبُلّ يدَيْهِما بهَذا الحِباء. وبيّن لهُما انخِداعي للأدَباء. قال الرّاوي: فلمْ أرَ في الاغتِرابِ. كهَذا العُجابِ. ولا سمِعْتُ بمِثلِه ممّنْ جالَ وجابَ.

مقامات الحريري : المقامة الشّتَويّة

المقامة الشّتَويّة :
حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: عشَوْتُ في ليلَةٍ داجِيَةِ الظُّلَمِ. فاحِمَةِ اللِّمَمِ. الى نارٍ تُضْرَمُ على علَمٍ. وتُخبِرُ عن كرَمٍ. وكانتْ ليلَةً جوُّها مَقرورٌ. وجَيْبُها مَزْرورٌ. ونجمُها مغْمومٌ. وغيمُها مرْكومٌ. وأنا فيها أصْرَدُ منْ عينِ الحِرْباء. والعَنْزِ الجَرْباء. فلمْ أزلْ أنُصّ عنْسي. وأقولُ: طوبى لكِ ولَنفْسي! الى أن تبصّرَ المُوقِدُ آلي. وتبيّنَ إرْقالي. وتبيّنَ إرْقالي. فانحدَرَ يعْدو الجَمَزَى. ويُنشِدُ مُرتَجِزاً:
حُيّيتَ منْ خابِطِ ليْلٍ ساري ... هَداهُ بلْ أهْداهُ ضوءُ النارِ
الى رَحيبِ الباعِ رحْبِ الدّارِ ... مرحِّبٍ بالطّارِقِ المُمْتارِ
تَرْحابَ جعْدِ الكفّ بالدّينارِ ... ليسَ بمُزْوَرٍّ عنِ الزُوّارِ
ولا بمِعْتامِ القِرى مِئْخارِ ... إذا اقشَعرّتْ تُرَبُ الأقْطارِ
وضَنّتِ الأنواءُ بالأمْطارِ ... فهْوَ على بؤسِ الزّمانِ الضّاري
جمُّ الرّمادِ مرهَفُ الشِّفارِ ... لمْ يخْلُ في ليلٍ ولا نَهارِ

من نحْرِ وارٍ واقتِداحِ وارِي ثمّ تلقّاني بمُحيّا حَييٍّ. وصافَحَني براحَةِ أريَحِيٍّ. واقْتادَني الى بيتٍ عِشارُهُ تخورُ. وأعْشارُهُ تفورُ. وولائِدُهُ تمورُ. وموائِدُهُ تدورُ. وبأكْسارِهِ أضْيافٌ قدْ جلبَهُم جالِبي. وقُلّبوا في قالَبي. وهُمْ يجتَنونَ فاكِهةَ الشّتاء. ويمرَحونَ مرَحَ ذَوي الفَتاء. فأخذْتُ مأخذَهُمْ في الاصطِلاء. ووجدْتُ بهِمْ وجْدَ الثّمِلِ بالطِّلاء. ولمّا أنْ سَرى الحصَرُ. وانْسَرى الخَصَرُ. أُتينا بمَوائِدَ كالهالاتِ دَوْراً. والرّوْضاتِ نَوْراً. وقد شُحنّ بأطْعِمَةِ الوَلائمِ. وحُمينَ منَ العائِبِ واللائِمِ. فرفَضْنا ما قيلَ في البِطنَةِ. ورأيْنا الإمْعانَ فيها منَ الفِطنَةِ. حتى إذا اكتَلْنا بصاعِ الحُطَمِ. وأشْفَيْنا على خطَرِ التُخَمِ. تعاوَرْنا مَشوشَ الغمَرِ. ثمّ تبوّأنا مقاعِدَ السّمَرِ. وأخذَ كُلُّ واحِدٍ منا يَشولُ بلِسانِهِ. وينشُرُ ما في صِوانِهِ. ما عَدا شيخاً مُشتَهِباً فَوْداهُ. مُخلَوْلِقاً بُرْداهُ. فإنّهُ ربَضَ حَجرَةً. وأوسَعَنا هِجرَةً. فغاظَنا تجنّبُهُ. المُلتَبِسُ موجِبُهُ. المعْذورُ فيهِ مؤنّبُهُ. إلا أنّا ألَنّا لهُ القوْلَ. وخشِينا في المسألَةِ العوْلَ. وكلّما رُمْنا أنْ يَفيضَ كما فِضْنا. أو يُفيضَ في ما أفَضْنا. أعْرَضَ إعْراضَ العِلّيّةِ عنِ الأرْذَلينَ. وتَلا: إنْ هذا إلا أساطيرُ الأوّلينَ. ثمّ كأنّ الحَميّةَ هاجَتْهُ. والنّفْسَ الأبيّةَ ناجَتْهُ. فدلَفَ وازْدَلَفَ. وخلعَ الصّلَفَ. وبذلَ أنْ يتَلافى ما سلَفَ. ثمّ استرْعى سمْعَ السّامِرِ. واندفَعَ كالسّيلِ الهامِرِ. وقال:
عِندي أعاجيبُ أرْويها بلا كذِبِ ... عنِ العِيانِ فكَنّوني أبا العجَبِ
رأيتُ يا قوْمِ أقْواماً غذاؤهُمُ ... بَوْلُ العجوزِ وما أعني ابنَةَ العِنَبِ
ومُسنِتِينَ منَ الأعْرابِ قوتُهُمُ ... أن يشتووا خِرقةً تُغني من السّغَبِ
وقادِرينَ متى ما ساء صُنعُهُمُ ... أو قصّروا فيه قالوا الذّنْبُ للحطَبِ
وكاتِبينَ وما خطّتْ أنامِلُهُمْ ... حرْفاً ولا قرَأوا ما خُطّ في الكُتُبِ
وتابِعينَ عُقاباً في مسيرِهِمِ ... على تكمّيهِمِ في البيْضِ واليَلَبِ
ومُنتَدينَ ذَوي نُبْلٍ بدَتْ لهُمُ ... نبيلَةٌ فانْثَنوْا منها الى الهرَبِ
وعُصبَةً لمْ ترَ البيْتَ العَتيقَ وقدْ ... حجّتْ جُثِيّاً بلا شكٍّ على الرُّكَبِ
ونِسوَةً بعدَما أدْلجنَ من حلَبٍ ... صبّحنَ كاظِمَةً من غيرِ ما تعَبِ
ومُدلِجينَ سرَوْا من أرضِ كاظِمَةٍ ... فأصبَحوا حينَ لاحَ الصُبحُ في حلَبِ
ويافِعاً لم يُلامِسْ قطُّ غانِيَةً ... شاهَدتُهُ ولهُ نسلٌ منَ العَقِبِ
وشائِباً غيرَ مُخْفٍ للمَشيبِ بَدا ... في البَدْوِ وهْوَ فتيُّ السِّنّ لم يشِبِ
ومُرضَعاً بلِبانٍ لمْ يفُهْ فمُهُ ... رأيتُهُ في شِجارٍ بيّنِ السّبَبِ
وزارِعاً ذُرَةً حتى إذا حُصِدَتْ ... صارتْ غُبَيراء يهواها أخو الطّرَبِ
وراكِباً وهْوَ مغلولٌ على فرَسٍ ... قد غُلّ أيضاً وما ينفكّ عن خبَبِ
وذا يدٍ طُلُقٍ يقْتادُ راحِلَةً ... مُستَعجِلاً وهْوَ مأسورٌ أخو كُرَبِ
وجالِساً ماشياً تهْوي مطيّتُهُ ... بهِ وما في الذي أوْرَدتُ من رِيَبِ
وحائكاً أجْذَمَ الكفّينِ ذا خرَسٍ ... فإن عجبتمْ فكمْ في الخَلقِ من عجَبِ
وذا شَطاطٍ كصدرِ الرّمحِ قامَتُهُ ... صادَفتُهُ بمِنًى يشكو منَ الحدَبِ
وساعياً في مسَرّاتِ الأنامِ يرى ... إفْراحَهُمْ مأثماً كالظُّلمِ والكذِبِ
ومُغْرَماً بمُناجاةِ الرّجالِ لهُ ... وما له في حديثِ الخلقِ من أرَبِ
وذا ذِمامٍ وفَتْ بالعَهْدِ ذمّتُهُ ... ولا ذِمامَ لهُ في مذهَبِ العرَبِ
وذا قُوًى ما اسْتبانَتْ قطّ لِينَتُهُ ... ولِينُهُ مُستَبينٌ غيرُ مُحتجِبِ
وساجداً فوقَ فحْلٍ غيرَ مكترِثٍ ... بِماأتى بلْ يراهُ أفضلَ القُرَبِ
وعاذِراً مؤلِماً مَنْ ظلّ يعذِرُهُ ... معَ التّلطّفِ والمعذورُ في صخَبِ
وبلْدَةً ما بها ماءٌ لمُغتَرِفٍ ... والماءُ يجري عليْها جرْيَ مُنسرِبِ
وقريةً دونَ أُفحوصِ القطا شُحنتْ ... بديلمٍ عشيهُمْ من خُلسَةِ السّلَبِ
وكوْكَباً يتَوارى عندَ رؤيتهِ ال ... إنسانُ حتى يُرَى في أمنَعِ الحُجُبِ
وروْثَةً قوّمَتْ مالاً لهُ خطَرٌ ... ونفْسُ صاحِبِها بالمالِ لم تطِبِ
وصحفَةً من نُضارٍ خالصٍ شُريتْ ... بعدَ المِكاسِ بقيراطٍ من الذّهبِ
ومُستَجيشاً بخشْخاشٍ ليدفعَ ما ... أظَلّهُ منْ أعاديهِ فلمْ يخِبِ
وطالَما مرّ بي كلبٌ وفي فمهِ ... ثورٌ ولكنّهُ ثورٌ بلا ذنَبِ
وكمْ رأى ناظِير فيلاً على جمَلٍ ... وقد تورّكَ فوقَ الرّحْلِ والقتَبِ
وكم لَقيتُ بعرْضِ البيدِ مُشتكياً ... وما اشتكى قطّ في جِدٍّ وفي لعِبِ
وكنتُ أبصرْتُ كرّازاً لراعِيَةٍ ... بالدّوّ ينظُرُ من عينَينِ كالشُهُبِ
وكم رأتْ مُقلَتي عينَينِ ماؤهُما ... يجري من الغَرْبِ والعَينانِ في حلَبِ
وصادِعاً بالقَنا من غيرِ أن علِقَتْ ... كفّاهُ يوماً برُمْحٍ لا ولمْ يثِبِ
وكم نزلْتُ بأرضٍ لا نَخيلَ بها ... وبعدَ يوم رأيتُ البُسرَ في القُلُبِ
وكم رأيتُ بأقْطارِ الفَلا طبَقاً ... يطيرُ في الجوّ منصَبّاً الى صبَبِ
وكم مشايخَ في الدُنْيا رأيتُهُمُ ... مخَلَّدينَ ومَنْ ينْجو من العطَبِ
وكم بدا لي وحْشٌ يشتكي سغَباً ... بمنطِقٍ ذلِقٍ أمضى منَ القُضُبِ
وكم دَعانيَ مُستَنْجٍ فحادثَني ... وما أخَلّ ولا أخْلَلْتُ بالأدَبِ
وكم أنختُ قَلوصي تحت جُنبُذَةٍ ... تُظلّ ما شئتَ من عُجمٍ ومن عُرُبِ
وكم نظرْتُ الى منع سُرّ ساعَتَهُ ... ودمعُهُ مستَهِلُّ القطرِ كالسُّحُبِ
وكم رأيتُ قَميصاً ضرّ صاحِبَهُ ... حتى انثنَى واهيَ الأعضاء والعصَبِ
وكمْ إزارٍ لوَ انّ الدهرَ أتلَفَهُ ... لجفّ لِبْدُ حَثيثِ السيرِ مُضطرِبِ
هذا وكمْ منْ أفانينٍ معجِّبَةٍ ... عندي ومن مُلَحٍ تُلهي ومن نُخَبِ
فإنْ فطِنتمْ للَحنِ القوْلِ بان لكُمْ ... صِدْقي ودلّكُمُ طلْعي على رُطَبي
وإنْ شُدِهتُمْ فإنّ العارَ فيهِ على ... منْ لا يُمَيّزُ بينَ العودِ والخشَبِ

قال الحارثُ بنُ همّام: فطفِقْنا نخبِطُ في تقْليبِ قَريضِهِ. وتأويلِ مَعاريضِهِ. وهوَ يلهو بِنا لهْوَ الخليّ بالشّجيّ. ويقول: ليسَ بعُشّكِ فادْرُجي. الى أن تعسّرَ النّتاجُ. واستحْكَمَ الارْتجاجُ. فألْقَينا إليْهِ المَقادَةَ. وخطَبْنا منهُ الإفادَةَ. فوقَفْنا بينَ المَطمَعِ والياسِ. وقال: الإيناسف قبلَ الإبْساسِ! فعلِمنا أنهُ ممّنْ يرغَبُ في الشُّكْمِ. ويرْتَشي في الحُكْمِ. وساء أبا مثْوانا أنْ نعرَّضَ للغُرْمِ. أو نُخَيَّبَ بالرُّغْمِ. فأحْضَرَ صاحِبُ المنزِلِ ناقةً عِيديّةً. وحُلّةً سَعيديّةً. وقال له: خُذْهُما حَلالاً. ولا ترْزأ أضْيافي زِبالاً. فقال: أشهَدُ أنها شِنشِنَةٌ أخزَميّةٌ. وأريَحيّةٌ حاتِميّةٌ. ثم قابلَنا بوجهٍ بِشرُهُ يشِفّ. ونَضْرَتُهُ ترِفّ. وقال: يا قوْمِ إنّ الليْلَ قدِ اجْلَوّذَ. والنّعاسَ قدِ استحْوَذَ. فافْزَعوا الى المَراقِدِ. واغتَنِموا راحَةَ الرّاقِدِ. لتَشرَبوا نَشاطاً. وتُبعَثوا نِشاطاً. فتَعوا ما أفَسّرُ. ويتسهّلَ لكُمُ المتعسِّرُ. فاسْتَصوَبَ كلٌ ما رآهُ. وتوسّد وِسادَةَ كَراهُ. فلمّا وسَنَتِ الأجْفانُ. وأغْفَتِ الضِّيفانُ. وثبَ الى النّاقَةِ فرحَلَها. ثمّ ارتَحَلَها ورحّلَها. وقال مُخاطِباً لها:
سَروجَ يا ناقَ فَسيري وخِدِي ... وأدْلِجي وأوّبي وأسْئِدي
حتى تَطا خُفّاكِ مرْعاها النّدي ... فتَنعَمي حينَئذٍ وتَسعَدي
وتأمَني أنْ تُتْهِمي وتُنْجِدي ... إيهِ فدَتكِ النّوقُ جِدّي واجهَدي
وافْرِي أديمَ فدْفَدٍ ففَدْفَدِ ... واقْتَنِعِي بالنّشْحِ عندَ الموْرِدِ
ولا تَحُطّي دونَ ذاكَ المَقصِدِ ... فقدْ حلَفْتُ حَلفَةَ المُجتَهِدِ
بحُرمَةِ البيتِ الرّفيعِ العُمُدِ ... إنّكِ إنْ أحلَلْتِني في بلَدي

حللْتِ منّي بمحَلّ الولَدِ
قل: فعلِمْتُ أنهُ السّروجيُّ الذي إذا باعَ انْباعَ. وإذا ملأ الصّاعَ انْصاعَ. ولمّا انبلَجَ صَباحُ اليومِ. وهبّ النّوّامُ منَ النّومِ. أعلَمتُهُمْ أن الشيخَ حينَ أغْشاهُمُ السُباتَ. طلّقَهُمُ البَتاتَ. وركِبَ النّاقَةَ وفاتَ. فأخذَهُم ما قَدُمَ وما حَدُثَ. ونَسوا ما طابَ منهُ بِما خبُثَ. ثمّ انشَعَبْنا في كلّ مشْعَبٍ. وذهبْنا تحْتَ كُلّ كوكَبٍ.
قال الشيخ الرئيس أبو محمد القاسم بن علي رضي الله عنه قد فسرت سر كل لعر تحته ولم أبعد على من يقرأه كتفه وقد بقيت أليماط اشتملت عليها هذه المقدمة ربما التمس تفسيرها على بعض من تقع إليه فأحببت إيضاحها له يكسى حيرة الشبهة الأول وقوله (من نحر وار) يعني الجمل المكتنز شحماً الكثير مخاً. وقوله (عشارة تخور وإعشاره تفور) العشار النوق الحوامل والأعشار البرمة العظيمة كأنها شعبت لعظميها يقال برمة أعشار وجفنة أكسار وثوب أسمال وبرد أخلاق وحبل أرمام ووصف الجماعة منها كوصف الواحد. وقوله (فاكهة الشتاء) كني بها عن النار ومنه قوله بعض المحدثين
النار فاكهة الشتاء فمن يرد ... أكل الفواكه شاتياً فليصطل
أن الفواكه في الشتاء شهية ... والتار المقرور أفضل مأكل

وقوله (موائد كالهالات) يعني دارات القمر ودارة الشمس تسمى الطفاوة. وقوله (مشوش الغمر) يعني المنديل يقال مش يده بالمنديل أي مسحها ومنه قول امرئ القيس
نمش بأعراف الحياد اكفنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهب
وقوله (مشتهباً فوداه) أي صارا من الشيب في لون الأشهب ومنه قول امرئ القيس أيضاً
قالت الخساء لما جئتها ... شاب بعدي رأس هذا واشتهب
وقوله (رنص حجرة) يعني ناحية ويقال في المثل لمن يشارك في الرخاء ويجانب عند البلاء يرتع وسطاً ويربض حجرة. وقوله (فاسترعة سمع السامر) يعني السمار لأن السامر اسم للجمع كالحاضر اسم للحي النازلين على الماء وكالباقر اسم لجماعة البقر وقال بعض أهل اللغة هوة اسم للبقر مع رعاتها واشتقاق السامر من السمر وهو ظل القمر مأخوذ من السمرة فلما كان غالب أحوال السمار أنهم يتحدثون في ظل القمر اشتق لهم اسم منه وإلى هذا يرجع قولهم لا أكلمه القمر والسمر. وقوله (ليس يعشك فادرجي) هذا مثل يضرب لمن يتعاطى ما لا ينبغي له والعشر ما يكون في شجرة فإذا كان في حائط أو كهف جبل فهو وكر. وقوله (الإيناس قبل الإنساس) هذا مثل أيضاً ومعناه أنه ينبغي أن بؤس الإنسان ث م يكلف واصله أن حالب الناقة يؤنسها حين يروم حلبها ثم لبس بها الحلب والإيساس أن تقول لها بس لتسكن وتدر وتسمى الناقة التي تدر على الابساس البسوس. وقوله (يرغب في الشكم) الشكم ما أعطيته على سبيل المجازاة فإن أعطيته مبتدءاً فهو الشكد. وقوله (ساء أبا مثوابا) يعني المضيف الذي أووا إليه وثووا عنده. وقوله (ناقة عيدية) قيل أنها منسوبة إلى فحل منجب اسمه عيد وقيل هي منسوبة إلى فخذ من مهرة اسمه عيد بن ميرة وكانت مهرة وعيد تتخذان نجائب الإبل فنسبت إليهما. وقوله (حلة سعيدية) هي منسوبة إلى سعيد بن العاص وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كساه وهو غلام حلة فنسب جسها إليه. وقوله (لا ترزأ أضيافي ربالاً) أي لا ترزأهم شيئاً وإن قل والأصل في الزبال ما تحمله النملة بفيها. وقوله (شنشة خزيمة) أشار به إلى المثل الذي ضربه حد حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن الخزم الطاءي حين نشأ حاتم وتقيل أخلاق جده أخزم في الجود فقال شنشة أعرفها من الخزم وتمثل عقيل بن غلفة بن حي قال
إن بني ضر جوني ما نداه ... من يلق آساد الرجال يكم
شنشة أعرفها من أخزم ومن ادعى أن المثل فقد سها فيه وقوله (الجلوذ) أي أسرع في الذهاب ومتهة حلاوط. وقوله (وثب إلى الناقة فرحلها) يعني شد عليها الرحل وبه سميت الراحلة لأنها بمعنى مفعولة كقوله تعالى في عيشة راضية وكقوله تعالى من داعي أي مدموق والراحلة تقعل على الناقة والجمل ودخول الهاء فيها بمبالغة مثل دهية وراوية. وقوله (ارتحلها) أي ركبها وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فركبه الحسن ومضى في سجوده فلما قضى صلاته قال إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله. وقوله (ورحيا) أي زعجها وأشخصها واحد بها في ترحيل

مقامات الحريري : المقامة البَكرِيّة

المقامة البَكرِيّة :
حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: هَفا بيَ البينُ المطَوِّحُ. والسيرُ المبرِّحُ. الى أرضٍ يضِلّ بها الخِرّيتُ. وتفْرَقُ فيها المصاليتُ. فوجَدتُ ما يجِدُ الحائِرُ الوحيدُ. ورأيتُ ما كُنتُ منه أحيدُ. إلا أني شجّعْتُ قلْبيَ المَزْؤودَ. ونسأتُ نِضْوِيَ المجْهودَ. وسِرْتُ سيرَ الضّارِبِ بقِدْحَينِ. المُستَسلِمِ للحَينِ. ولمْ أزَلْ بينَ وخْدٍ وذَميلٍ. وإجازَةِ مِيلٍ بعْدَ ميلٍ. الى أن كادَتِ الشمْسُ تجِبُ. والضّياءُ يحتجِبُ. فارْتَعْتُ لإظْلالِ الظّلامِ. واقتِحامِ جَيشِ حامٍ. ولمْ أدْرِ أأكْفِتُ الذّيلَ وأرتبِطُ. أم أعتَمِدُ اللّيلَ وأختَبِطُ؟ وبيْنا أنا أقلّبُ العزْمَ. وأمتَخِضُ الحزْمَ. تَراءى لي شبَحُ جمَلٍ. مُستَذْرٍ بجبَلٍ. فترَجّيتُهُ قُعْدَةَ مُريحٍ. وقصدْتُهُ قصْدَ مُشيحٍ. فإذا الظّنّ كَهانَةٌ. والقُعدَةُ عَيرانَةٌ. والمُريحُ قدِ ازْدَمَلَ ببِجادِهِ. واكتَحَلَ برُقادِه. فجلَسْتُ عندَ راسِهِ. حتى هبّ من نُعاسِهِ. فلمّا ازْدَهَرَ سِراجاهُ. وأحَسّ بمَنْ فاجاهُ. نفَرَ كما ينفِرُ المُريبُ. وقال: أخوكَ أمِ الذّيبُ؟ فقلتُ: بلْ خابِطُ ليْلٍ ضَلّ المسلَكَ. فأضِئْ أقْدَحْ لكَ. فقال: ليَسْرُ عنكَ همُّكَ. فرُبّ أخٍ لكَ لمْ تلِدْهُ أمُكَ. فانْسرَى عندَ ذلِكَ إشْفاقي. وسرَى الوسَنُ الى آماقي. فقال: عندَ الصّباحِ يحْمَدُ القومُ السُّرى. فهلْ تَرى كما أرى؟ فقلتُ: إني لكَ لأطْوَعُ منْ حِذائِكَ. وأوْفَقُ من غِذائِكَ. فصَدَعَ بمحبّتي. وبخْبَخَ بصُحْبَتي. ثمّ احتَمَلْنا مُجِدَّينِ. وارتَحلْنا مُدلِجَيْنِ. ولمْ نزَلْ نُعاني السُّرى. ونُعاصي الكَرى. الى أنْ بلغَ الليلُ غايتَهُ. ورفَعَ الفجْرُ رايتَهُ. فلمّا أسْفرَ الفاضِحُ. ولمْ يبْقَ إلا واضِحٌ. توسّمتُ رفيقَ رِحلَتي. وسَميرَ لَيلَتي. فإذا هوَ أبو زيدٍ مطلَبُ النّاشِدِ. ومَعلَمُ الرّاشِدِ. فتهادَيْنا تحيّةَ المُحبّينِ. إذا التَقَينا بعْدَ البيْنِ. ثمّ تباثَثْنا الأسْرارَ. وتناثَثْنا الأخْبارَ. وبَعيري ينحِطُ منَ الكِلالِ. وراحِلَتُهُ تزِفُّ زَفيفَ الرّالِ. فأعْجَبَني اشْتِدادُ أمرِها. وامتِدادُ صبرِها. فأخَذْتُ أستَشِفُّ جوهرَها. وأسألُهُ منْ أين تخيّرَها. فقال: إنّ لهذِهِ النّاقَةِ. خبَراً حُلْوَ المَذاقَةِ. مليحَ السّياقَةِ. فإنْ أحببْتَ استِماعَهُ فأنِخْ. وإنْ لمْ تشأ فلا تُصِخْ. فأنَخْتُ لقولِه نِضْوي. وأهدَفْتُ السّمْعَ لما يَروي. فقال: اعْلَمْ أني استَعرَضْتُها بحَضْرَمَوْتَ. وكابدْتُ في تحصيلِها الموْتَ. وم زِلتُ أجوبُ علَيها البُلدانَ. وأطِسُ بأخفافِها الظِّرّانَ. الى أنْ وجدْتُها عُبْرَ أسفارٍ. وعُدَّةَ قرارٍ. لا يلحَقُها العَناءُ. ولا تُواهِقُها وجْناءُ. ولا تدْري ما الهِناءُ. فأرْصَدتُها للخَيرِ والشرّ. وأحلَلْتُها محَلَّ البَرّ السَّرّ. فاتّفَقَ أن ندّتْ مُذْ مُدةٍ. وما لي سِواها قُعدَةٌ. فاستشْعَرْتُ الأسَفَ. واستَشرفْتُ التّلَفَ. ونسيتُ كُلّ رُزْءٍ سلَفَ. ومكثت ثلاثا
لا استطيع انبعاثا ولا اطعم النوم الا حثاثا. ثمّ أخذْتُ في استِقْراء المَسالِكِ. وتفقُّدِ المسارِحِ والمَبارِكِ. وأنا لا أستَنْشي منها ريحاً. ولا أستَغْشي يأساً مُريحاً. وكلّما ادّكَرْتُ مضاءها في السيرِ. وانبِراءها لمُباراةِ الطّيرِ. لاعَني الادّكارُ. واستَهوَتْني الأفكارُ. فبَينَما أنا في حِواء بعضِ الأحْياءِ إذْ سمِعْتُ منْ شخْصٍ متبَعِّدٍ. وصوْتٍ متجرِّدٍ: منْ ضَلّتْ لهُ مطيّةٌ. حضرَميّةٌ وطِيّةٌ. جِلدُها قد وُسِمَ. وعَرُّها قد حُسِمَ. وزِمامُها قد ضُفِرَ. وظهرُها كأنْ قد كُسِرَ ثم جُبِرَ. تَزينُ الماشيَةَ. وتُعينُ النّاشيَةَ. وتقطَعُ المَسافَةَ النّائِيَةَ. وتظَلّ أبداً لكَ مُدانِيةً. لا يعتَوِرُها الوَنى. ولا يعترِضُها الوَجى. ولا تُحْوِجُ الى العَصا. ولا تَعْصي في مَنْ عصى. قال أبو زيدٍ: فجذَبَني الصوتُ الى الصّائِتِ. وبشّرَني بدرَكِ الفائِتِ. فلمّا أفْضَيْتُ إليْهِ. وسلّمْتُ علَيْهِ. قلتُ لهُ: سلّمِ المطيّةَ. وتسلّمِ العطيّةَ. فقال: وما مطِيّتُكَ. غُفِرَتْ خطِيّتُكَ؟ قلت له: ناقَةٌ جُثّتُها كالهَضْبَةِ. وذِروَتُه كالقُبّةِ. وجلَبُها مِلْءُ العُلبَةِ. وكنتُ أُعطيتُ بها عِشرينَ. إذ حللْتُ يَبرينَ. فاستَزَدْتُ الذي أعطى. ودريْتُ أنهُ أخْطا. قال: فأعْرَضَ عني حينَ سمِعَ صِفَتي. وقال: لستَ بصاحِبِ لُقطَتي! فأخَذْتُ بتَلابيبِهِ. وأصرَرْتُ على تكذيبِهِ. وهمَمْتُ بتمزيقِ جَلابيبِهِ. وهوَ يقول: يا هذا ما مطيّتي بطِلْبِكَ. فاكْفُفْ عني منْ غَربِكَ. وعدّ عنْ سبّكَ. وإلا فقاضِني الى حَكَمِ هذا الحيّ. البَريء من الغَيّ. فإنْ أوجبَها لكَ فتسلّمْ. وإن زَواها عنْكَ فلا تتكلّمْ. فلمْ أرَ دَواءَ قِصّتي. ولا مَساغَ غُصّتي. إلا أنْ آتيَ الحكَمَ. ولوْ لكَمَ. فانْخَرَطْنا الى شيخٍ رَكينِ النِّصْبَةِ. أنيقِ العِصْبَةِ. يؤنَسُ منهُ سُكونُ الطائِرِ. وأنْ ليسَ بالجائرِ. فاندَرأتُ أتظلّمُ وأتألّمُ. وصاحبي مُرِمٌّ لا يترَمْرَمُ. حتى إذا نثلْتُ كِنانَتي. وقضَيْتُ من القَصَصِ لُبانَتي. أبرَزَ نعْلاً رَزينَةَ الوزْنِ. مَحْذوّةً لمسلَكِ الحَزْنِ. وقال: هذهِ التي عرّفْتُ. وإياها وصَفْتُ. فإنْ كانتْ هي التي أُعطِيَ بها عِشرينَ. وها هوَ من المُبصِرينَ. فقدْ كذَبَ في دعْواهُ. وكبُرَ ما افتَراهُ. اللهُمّ إلا أنْ يَمُدّ قَذالَهُ. ويُبَيّنَ مِصداقَ ما قالَهُ. فقالَ الحكَمُ: اللهُمّ غَفْراً. وجعلَ يقلّبُ النّعْلَ بطْناً وظهْراً. ثمّ قال: أما هذِهِ النّعلُ فنَعْلي. وأما مطِيّتُكَ ففي رحْلي. فانهَضْ لتسَلُّمِ ناقتِك. وافعَلِ الخيرَ بحسَبِ طاقَتِكَ. فقُمْتُ وقلت: لستَ بصاحِبِ لُقطَتي! فأخَذْتُ بتَلابيبِهِ. وأصرَرْتُ على تكذيبِهِ. وهمَمْتُ بتمزيقِ جَلابيبِهِ. وهوَ يقول: يا هذا ما مطيّتي بطِلْبِكَ. فاكْفُفْ عني منْ غَربِكَ. وعدّ عنْ سبّكَ. وإلا فقاضِني الى حَكَمِ هذا الحيّ. البَريء من الغَيّ. فإنْ أوجبَها لكَ فتسلّمْ. وإن زَواها عنْكَ فلا تتكلّمْ. فلمْ أرَ دَواءَ قِصّتي. ولا مَساغَ غُصّتي. إلا أنْ آتيَ الحكَمَ. ولوْ لكَمَ. فانْخَرَطْنا الى شيخٍ رَكينِ النِّصْبَةِ. أنيقِ العِصْبَةِ. يؤنَسُ منهُ سُكونُ الطائِرِ. وأنْ ليسَ بالجائرِ. فاندَرأتُ أتظلّمُ وأتألّمُ. وصاحبي مُرِمٌّ لا يترَمْرَمُ. حتى إذا نثلْتُ كِنانَتي. وقضَيْتُ من القَصَصِ لُبانَتي. أبرَزَ نعْلاً رَزينَةَ الوزْنِ. مَحْذوّةً لمسلَكِ الحَزْنِ. وقال: هذهِ التي عرّفْتُ. وإياها وصَفْتُ. فإنْ كانتْ هي التي أُعطِيَ بها عِشرينَ. وها هوَ من المُبصِرينَ. فقدْ كذَبَ في دعْواهُ. وكبُرَ ما افتَراهُ. اللهُمّ إلا أنْ يَمُدّ قَذالَهُ. ويُبَيّنَ مِصداقَ ما قالَهُ. فقالَ الحكَمُ: اللهُمّ غَفْراً. وجعلَ يقلّبُ النّعْلَ بطْناً وظهْراً. ثمّ قال: أما هذِهِ النّعلُ فنَعْلي. وأما مطِيّتُكَ ففي رحْلي. فانهَضْ لتسَلُّمِ ناقتِك. وافعَلِ الخيرَ بحسَبِ طاقَتِكَ. فقُمْتُ وقلت:
أُقسِمُ بالبيتِ العَتيقِ ذي الحُرَمْ ... والطائِفينَ العاكِفينَ في الحَرَمْ
إنّك نِعْمَ منْ إليْهِ يُحتكَمْ ... وخيرُ قاضٍ في الأعاريبِ حكَمْ
فاسلَمْ ودُمْ دوْمَ النّعامِ والنَّعَمْ

فأجابَ من غيرِ رويّةٍ. ولا عَقْدِ نيّةٍ. وقال:
جُزيتَ عن شُكرِكَ خيراً يا ابنَ عمْ ... إذ لستُ أستَوجبُ شكراً يُلتَزَمْ
شرُّ الأنامِ منْ إذا استُقْضي ظلمْ ... ثمّ مَنِ استُرْعي فلمْ يرْعَ الحُرَمْ
فذانِ والكَلْبُ سَواءٌ في الفِيَمْ

ثمّ إنهُ نفّذَ بينَ يدَيّ. منْ سلّم النّاقَةَ إليّ. ولمْ يمْتَنّ عليّ. فرُحْتُ نَجيحَ الأرَبِ. أجُرّ ذيْلَ الطّرَبِ. وأقولُ: يا لَلْعَجَبِ! قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فقلتُ لهُ تاللهِ لقدْ أطْرَفْتَ. وهرَفْتَ بما عرَفْتَ. فناشَدتُكَ اللهَ هلْ ألفَيْتَ أسْحَرَ منكَ بلاغَةً. وأحسَنَ للّفْظِ صِياغَةً؟ فقال: اللهُمّ نعَمْ. فاستَمِعْ وانْعَمْ. كُنتُ عزَمْتُ. حين أتْهَمْتُ. على أن أتّخِذَ ظَعينَةً. لتكونَ لي مُعينَةً. فحينَ تعيّنَ الخِطْبُ المُلِبّ. وكادَ الأمرُ يستَتِبّ. أفْكَرْتُ فكْرَ المتحرِّزِ منَ الوهْمِ. المتأمِّلِ كيفَ مَسقِطُ السّهْمِ. وبِتُّ ليلَتي أُناجي القلْبَ المعذَّبَ. وأقلّبُ العزْمَ المُذَبذَبَ. الى أن أجمَعْت على أن أُسْحِرَ. وأُشاوِرَ أوّلَ منْ أُبصِرُ. فلمّا قوّضَتِ الظُّلمَةُ أطْنابَها. وولّتِ الشُّهُبُ أذْنابَها. غدَوْتُ غُدُوَّ المتعرِّفِ. وابتكرْتُ ابتِكارَ المتعيِّفِ. فانْبَرى لي يافِعٌ. في وجْهِهِ شافِعٌ. فتيمّنْتُ بمنظَرِهِ البَهيجِ. واستَقْدَحْتُ رأيَهُ في التّرويجِ. فقال: أوَتبْغيها غَواناً. أم بِكْراً تُعانى؟ فقلتُ: اختَرْ لي ما تَرى. فقدْ ألْقَيتُ إليكَ العُرى. فقال: إليّ التّبيينُ. وعليْكَ التّعيينُ. فاسمَعْ أنا أفْديكَ. بعْدَ دفْنِ أعاديكَ. أما البِكرُ فالدُرّةُ المخزونَةُ. والبَيضَةُ المَكنونَةُ. والباكورَةُ الجَنِيّةُ. والسُلافَةُ الهَنيّةُ. والروْضَةُ الأُنُفُ. والطّوْقُ الذي ثمُنَ وشرُفَ. لمْ يُدَنّسْها لامِسٌ. ولا تسَغْشاها لابِسٌ. ولا مارسَها عابِثٌ. ولا وكَسَها طامِثٌ. ولها الوجهُ الحَييّ. والطّرْفُ الخفيّ. واللّسانُ العَيِيّ. والقلْبُ النّقيّ. ثمّ هيَ الدُمْيَةُ المُلاعِبَةُ. واللّعْبَةُ المُداعِبَةُ. والغَزالَةُ المُغازِلَةُ. والمُلْحَةُ الكامِلَةُ. والوِشاحُ الطاهرُ القَشيبُ. والضّجيعُ الذي يُشِبُّ ولا يُشيبُ. وأما الثّيّبُ فالمَطيّةُ المذَلّلَةُ. واللُّهْنَةُ المعَجّلَةُ. والبِغْيَةُ المُسهَّلَةُ. والطّبّةُ المُعلِّلَةُ. والقَرينةُ المتحبِّبَةُ. والخَليلَةُ المتقرِّبَةُ. والصَّناعُ المدَبِّرَةُ. والفَطْنَةُ المختَبِرَةُ. ثمّ إنّها عُجالَةُ الرّاكِبِ. وأُنشوطَةُ الخاطِبِ. وقُعدَةُ العاجِزِ. ونُهْزَةُ المُبارِزِ. عريكَتُها لَيّنَةٌ. وعُقلَتُها هيّنَةٌ. ودِخلَتُها متَبيِّنَةٌ. وخِدمَتُها مزيِّنَةٌ. وأقسِمُ لقد صدَقْتُ في النّعتَينِ. وجلَوْتُ المَهاتَينِ. فبأيّتِهِما هامَ قلبُكَ؟ قال أبو زيد: فرأيتُهُ جندَلَةً يتّقيها المُراجِمُ. وتُدمى منها المَحاجِمُ. إلا أني قلتُ له: كُنتُ سمعتُ أن البِكْرَ أشَدُّ حُبّاً. وأقلُّ خِبّاً. فقال: لعَمْري قد قيلَ هذا. ولكِنْ كمْ قوْلٍ آذى! ويْحَكَ أمَا هيَ المُهرَةُ الأبيّةُ العِنانِ. والمَطيّةُ البَطيّةُ الإذْعانِ! والزَّنْدَةُ المتعسِّرَةُ الاقْتِداحِ. والقَلعَةُ المُستَصْعَبَةُ الافتِتاحِ! ثمّ إنّ مؤونَتَها كثيرةٌ. ومَعونتَها يَسيرةٌ. وعِشْرَتَها صَلِفَةٌ. ودالّتَها مُكلَّفَةٌ. ويدَها خرْقاء. وفِتْنَتها صَمّاء. وعَريكتَها خشْناء. وليلَتَها ليْلاء. وفي رياضَتِها عَناءٌ. وعلى خِبرَتِها غِشاءٌ! وطالما أخزَتِ المُنازِلَ. وفرِكَتِ المُغازِلَ. وأحنَقَتِ الهازِلَ. وأضرَعَتِ الفَنيقَ البازِلَ. ثمّ إنّها التي تقول: أنا ألْبَسُ وأجلِسُ. فأطلُبُ منْ يُطلِقُ ويحبِسُ! فقلتُ لهُ: فما ترى في الثّيّبِ. يا أبا الطّيّبِ؟ فقال: ويْحَكَ أترغبُ في فُضالَةِ المآكِلِ. وثُمالَةِ المناهِلِ؟ واللّباسِ المُستَبذَلِ. والوِعاءِ المُستَعْمَلِ؟ والذّواقَةِ المُتطرِّفَةِ. والخَرّاجةِ المتصرِّفَةِ؟ والوَقاحِ المتسلِّطَةِ. والمُحتَكِرَةِ المتسخِّطةِ؟ ثمّ كلمَتُها كُنتُ وصِرْتُ. وطالَما بُغيَ عليّ فنُصِرْتُ. وشتّان بين اليومِ وأمْسِ. وأينَ القمرُ منَ الشّمسِ؟ وإنْ كانتِ الحَنّانَةَ البَروكَ. والطّمّاحَةَ الهَلوكَ. فهيَ الغُلُّ القَمِلُ. والجُرْحُ الذي لا يندَمِلُ! فقلتُ له: فهلْ ترى أن أترَهّبَ. وأسلُكَ هذا المذْهَبَ؟ فانْتَهَرني انتِهارَ المؤدِّبِ. عندَ زَلّةِ المتأدِّبِ. ثمّ قال: ويلَكَ أتَقتَدي بالرُّهْبانِ. والحقُّ قدِ استَبانَ؟ أُفٍّ لكَ. ولوَهْنِ رائِكَ. وتبّآً لك ولأولَئِكَ! أتُراكَ ما سمعْتَبأنْ لا رَهْبانيّةَ في الإسلام. أو ما حُدّثْتَ بمناكِحِ نبيّكَ عليْهِ أزْكى السّلامِ؟ ثم أمَا تعلَمُ أنّ القَرينَةَ الصالحةَ تَرُبّ بيتَكَ. وتُلبّي صوتَكَ. وتغُضّ طرْفَكَ. وتطيّبُ عَرفكَ؟ وبها ترَى قُرّةَ عينِكَ. وريْحانَةَ أنفِكَ. وفرْحةَ قلبِكَ. وخُلْدَ ذِكرِكَ. وتعِلّةَ يومِكَ وغدِكَ. فكيفَ رَغِبْتَ عنْ سُنّةِ المُرسَلينَ. ومُتعَةِ المتأهِّلينَ. وشِرْعَةِ المُحْصَنينَ. ومَجْلَبَةِ المالِ والبَنين؟ واللهِ لقدْ ساءني فيكَ. ما سمِعْتُ من فيكَ. ثمّ أعْرَضَ إعْراضَ المُغضَبِ. ونَزا نَزَوانَ العُنظَبِ. فقلتُ لهُ: قاتَلَكَ اللهُ أتنطَلِقُ متبخْتِراً. وتدعُني متحيِّراً؟ فقال: أظنّكَ تدّعي الحَيرَةَ. لتَستَغْنيَ عنِ المُهَيْرَةِ! فقلتُ له: قبّحَ اللهُ ظنّكَ. ولا أشَبّ قرْنَكَ! ثمّ رُحْتُ عنهُ مَراحَ الخَزْيانِ. وتُبتُ منْ مُشاوَرَةِ الصّبيانِ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فقلتُ لهُ أُقسِمُ بمنْ أنْبَتَ الأيْكَ. أنّ الجدَلَ منكَ وإلَيْكَ. فأغْرَبَ في الضّحِكِ وطرِبَ طَرْبَةَ المُنهَمِكِ. ثم قال: العَقِ العسَلَ. ولا تسَلْ! فأخَذْتُ أُسهِبُ في مدْحِ الأدبِ. وأفضّلُ ربّّهُ على ذي النّشبِ. وهوَ ينظُرُ إليّ نظرَ المُستَجْهِلِ. ويُغْضي عني إغْضاءَ المتمهّلِ. فلمّا أفْرَطْتُ في العَصبيّةِ. للعُصبَةِ الأدبيّةِ. قال لي: صهْ. واسمعْ مني وافْقَهْ: ْ لا رَهْبانيّةَ في الإسلام. أو ما حُدّثْتَ بمناكِحِ نبيّكَ عليْهِ أزْكى السّلامِ؟ ثم أمَا تعلَمُ أنّ القَرينَةَ الصالحةَ تَرُبّ بيتَكَ. وتُلبّي صوتَكَ. وتغُضّ طرْفَكَ. وتطيّبُ عَرفكَ؟ وبها ترَى قُرّةَ عينِكَ. وريْحانَةَ أنفِكَ. وفرْحةَ قلبِكَ. وخُلْدَ ذِكرِكَ. وتعِلّةَ يومِكَ وغدِكَ. فكيفَ رَغِبْتَ عنْ سُنّةِ المُرسَلينَ. ومُتعَةِ المتأهِّلينَ. وشِرْعَةِ المُحْصَنينَ. ومَجْلَبَةِ المالِ والبَنين؟ واللهِ لقدْ ساءني فيكَ. ما سمِعْتُ من فيكَ. ثمّ أعْرَضَ إعْراضَ المُغضَبِ. ونَزا نَزَوانَ العُنظَبِ. فقلتُ لهُ: قاتَلَكَ اللهُ أتنطَلِقُ متبخْتِراً. وتدعُني متحيِّراً؟ فقال: أظنّكَ تدّعي الحَيرَةَ. لتَستَغْنيَ عنِ المُهَيْرَةِ! فقلتُ له: قبّحَ اللهُ ظنّكَ. ولا أشَبّ قرْنَكَ! ثمّ رُحْتُ عنهُ مَراحَ الخَزْيانِ. وتُبتُ منْ مُشاوَرَةِ الصّبيانِ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فقلتُ لهُ أُقسِمُ بمنْ أنْبَتَ الأيْكَ. أنّ الجدَلَ منكَ وإلَيْكَ. فأغْرَبَ في الضّحِكِ وطرِبَ طَرْبَةَ المُنهَمِكِ. ثم قال: العَقِ العسَلَ. ولا تسَلْ! فأخَذْتُ أُسهِبُ في مدْحِ الأدبِ. وأفضّلُ ربّّهُ على ذي النّشبِ. وهوَ ينظُرُ إليّ نظرَ المُستَجْهِلِ. ويُغْضي عني إغْضاءَ المتمهّلِ. فلمّا أفْرَطْتُ في العَصبيّةِ. للعُصبَةِ الأدبيّةِ. قال لي: صهْ. واسمعْ مني وافْقَهْ:
يقولونَ إنّ جَمالَ الفتى ... وزينَتَهُ أدَبٌ راسِخُ
وما إنْ يَزينُ سوى المُكثِرينَ ... ومنْ طوْدُ سودَدِهِ شامِخُ
فأما الفَقيرُ فخيْرٌ لهُ ... منَ الأدَبِ القُرْصُ والكامِخُ
وأيّ جَمالٍ لهُ أنْ يُقال ... أديبٌ يعلِّمُ أو ناسِخُ

ثمّ قال: سيتّضِحُ لكَ صِدْقُ لهجَتي. واستِنارَةُ حُجّتي. وسِرْنا لا نألو جُهْداً. ولا نستَفيقُ جَهْداً. حتى أدّانا السيرُ. الى قريَةٍ عزَبَ عنها الخيرُ. فدخلْناها للارْتِيادِ. وكِلانا منْفِضٌ منَ الزّادِ. فما
إنْ بلَغْنا المَحَطّ. والمُناخَ المخْتَطّ. أو لَقيَنا غُلامٌ لمْ يبلُغِ الحِنْثَ. وعلى عاتِقِه ضِغْثٌ. فحيّاهُ أبو زيدٍ تحيّةَ المُسلمِ. وسألَهُ وَقفَةَ المُفهِمِ. فقال: وعمّ تسألُ وفّقكَ اللهُ؟ قال: أيُباعُ هاهُنا الرُّطَبُ. بالخُطَبِ؟ قال: لا واللهِ! قال: ولا البلَحُ. بالمُلَحِ؟ قال: كلا واللهِ. قال: ولا الثّمرُ. بالسّمَرِ؟ قال: هيهاتَ واللهِ! قال: ولا العَصائِدُ. بالقصائدِ؟ قال: اسْكُتْ عافاكَ اللهُ! قال: ولا الثّرائِدُ. بالفَرائدِ؟ قال: أينَ يُذهَبُ بكَ أرشَدَكَ اللهُ؟ قال: ولا الدّقيقُ. بالمعْنى الدّقيقِ؟ قال: عدّ عنْ هذا أصْلَحَكَ اللهُ! واستَحْلى أبو زيدٍ تَراجُعَ السّؤالِ والجَوابِ. والتّكايُلَ منْ هذا الجِرابِ. ولمَحَ الغُلامُ أنّ الشّوطَ بَطينٌ. والشيخَ سُوَيطينٌ. فقال له: حسبُكَ يا شيخُ قد عرَفْتُ فنّكَ. واستبَنْتُ أنّكَ. فخُذِ الجوابَ صُبرَةً. واكْتَفِ بهِ خِبرَةً: أما بهذا المكانِ فلا يُشتَرى الشِّعرُ بشَعيرَةٍ. ولا النّثرُ بنُثارَةٍ. ولا القَصَصُ بقُصاصَةٍ. ولا الرّسالَةُ بغُسالَةٍ. ولا حِكَمُ لُقْمانَ بلُقمَةٍ. ولا أخْبارُ المَلاحِمِ بلَحْمَةٍ. وأما جيلُ هذا الزّمانِ فما منهُمْ مَنْ يَميحُ. إذا صيغَ لهُ المديحُ. ولا مَنْ يُجيزُ. إذا أُنشِدَ لهُ الأراجيزُ. ولا منْ يُغيثُ. إذا أطرَبَهُ الحديثُ. ولا منْ يَميرُ. ولوْ أنّهُ أميرٌ. وعندَهُمْ أنّ مثَلَ الأديبِ. كالرّبْعِ الجَديبِ. إنْ لم تجُدِ الرّبْعَ ديمَةٌ. لمْ تكُنْ لهُ قيمةٌ. ولا دانَتْهُ بَهيمةٌ. وكذا الأدَبُ. إنْ لم يعْضُدْهُ نشَبٌ. فدَرْسُهُ نصَبٌ. وخزْنُهُ حصَبٌ. ثمّ انسَدَرَ يعْدو. وولّى يحْدو. فقال لي أبو زيدٍ: أعَلِمْتَ أنّ الأدَبَ قد بارَ. وولّتْ أنصارُهُ الأدْبارَ؟ فبُؤتُ لهُ بحُسْنِ البَصيرَةِ. وسلّمْتُ بحُكْمِ الضّرورةِ. فقال: دعْنا الآنَ منَ المِصاعِ. وخُضْ في حديثِ القِصاعِ. واعْلَمْ أنّ الأسْجاعَ. لا تُشبِعُ منْ جاعَ. فما التّدبيرُ في ما يُمسِكُ الرّمَقَ. ويُطفِئ الحرَقَ؟ فقلتُ: الأمرُ إليْكَ. والزّمامُ بيديْكَ. فقال: أرى أنْ ترْهَنَ سيفَكَ. لتُشبِعَ جوفَكَ وضيفَكَ. فناوِلْنيهِ وأقِمْ. لأنقَلِبَ إليكَ بما تلْتَقِمُ. فأحسنْتُ به الظّنّ. وقلّدتُهُ السيفَ والرّهْنَ. فما لَبِثَ أنْ ركِبَ الناقَةَ. ورفضَ الصّدقَ والصّداقَةَ. فمكثْتُ مليّاً أترَقّبُهُ. ثمّ نهضْتُ أتعقّبُهُ. فكُنتُ كمَنْ ضيّعَ اللّبَنَ في الصّيفِ. ولم ألْقَهُ ولا السّيفَ.

مقامات الحريري : المقامة النَّجرانِيّة

المقامة النَّجرانِيّة :
حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: تَرامتْ بي مَرامي النّوى. ومسَاري الهَوى. الى أن صِرْتُ ابنَ كُلّ تُربَةٍ. وأخا كُلّ غُربةٍ. إلا أني لمْ أكُنْ أقطَعُ وادِياً. ولا أشهَدُ نادِياً. إلا لاقْتِباسِ الأدَبِ المُسْلي عنِ الأشْجانِ. المُغْلي قيمَةَ الإنسانِ. حتى عُرِفَتْ لي هذه الشِّنْشِنَةُ. وتناقلَتْها عني الألسنَةُ. وصارتْ أعْلَقَ بي منَ الهوى ببَني عُذْرَةَ. والشّجاعَةِ بآلِ أبي صُفرَةَ. فلمّا ألْقَيتُ الجِرانَ بنَجْرانَ. واصطَفَيتُ بها الخُلاّنَ والجيرانَ. تخِذْتُ أندِيَتَها مُعتَمَري. وموسِمَ فُكاهَتي وسمَري. فكنْتُ أتعَهّدُها صَباحَ مساء. وأظهَرُ فيها على ما سرّ وساء. فبَينَما أنا في نادٍ محْشودٍ. ومحْفِلٍ مشْهودٍ. إذ جثَمَ لدَيْنا هِمٌّ. علَيهِ هِدْمٌ. فحَيّا تحيّةَ ملِقٍ. بلِسانٍ ذلِقٍ. ثمّ قال: يا بُدورَ المَحافِلِ. وبحورَ النّوافِلِ. قد بيّنَ الصّبْحُ لِذي عيْنَينِ. ونابَ العِيانُ مَنابَ عدْلَينِ. فماذا تَروْنَ. في ما ترَوْنَ؟ أتُحسِنونَ العَوْنَ. أم تنأوْنَ. إذْ تُدعَوْنَ؟ فقالوا: تاللهِ لقَدْ غِظْتَ. ورُمْتَ أن تُنبِطَ فغِضْتَ. فناشَدَهُمُ اللهَ عمّاذا صدّهُمْ. حتى استَوجَبَ ردَّهُمْ. فقالوا: كنّا نتَناضَلُ بالألْغازِ. كما يُتَناضَلُ يومَ البِرازِ. فما تمالَكَ أن شعّثَ منَ المَنْضولِ. وألْحَقَ هذا الفضْلَ بنمَطِ الفُضولِ. فلَسَنَتْهُ لُسْنُ القوْمِ. ووَخَزوهُ بأسنّةِ اللّوْمِ. وأخذَ هوَ يتنصّلُ من هَفوَتِهِ. ويتندّمُ على فَوْهَتِهِ. وهُمْ مُضِبّونَ على مؤاخذَتِهِ. ومُلَبّونَ داعيَ مُنابَذَتِهِ. الى أن قالَ لهُمْ: يا قومِ إنّ الاحتِمالَ منْ كرَمِ الطّبْعِ. فعَدّوا عنِ اللّذْعِ والقَذْعِ. ثمّ هلُمّ الى أن نُلغِزَ. ونُحكّمَ المُبرِّزَ. فسكنَ عندَ ذلِك توقُّدُهُمْ. وانحَلّتْ عُقدُهمْ. ورَضوا بما شرَطَ عليهِمْ ولَهُمْ. واقتَرَحوا أنْ يكونَ أوّلَهُمْ. فأمْسكَ ريْثَما يُعقَدُ شِسْعٌ. أو يُشَدّ نِسْعٌ. ثمّ قال: اسمَعوا وُقيتُمُ الطّيشَ. ومُلّيتُمُ العيْشَ. وأنشدَ مُلغِزاً في مِروَحَةِ الخيْش:
وجارِيَةٍ في سيرِها مُشمَعِلّةٍ ... ولكِنْ على إثْرِ المَسيرِ قُفولُها
لها سائِقٌ من جِنسِها يستَحثّها ... على أنهُ في الإحتِثاثِ رَسيلُها
تُرى في أوانِ القَيظِ تنظُفُ بالنّدى ... ويَبدو إذا ولّى المَصيفُ قُحولُها
ثمّ قال: وهاكُمْ يا أولي الفضْلِ. ومَراكِزَ العقْلِ. وأنشَدَ مُلغِزاً في حابولِ النّخْلِ:
ومُنتَسِبٍ الى أمٍّ ... تَنَشّا أصْلُهُ منْها
يعانِقُها وقد كانتْ ... نفَتْهُ بُرهَةً عنْها
بهِ يتوصّلُ الجاني ... ولا يُلْحى ولا يُنْهى

ثمّ قال: ودونَكُمُ الخَفيّةَ العلَمِ. المُعتَكِرَةَ الظُلَمِ. وأنشدَ مُلغِزاً في القلَمِ:
ومأمومٍ بهِ عُرِفَ الإمامُ ... كما باهَتْ بصُحْبَتِهِ الكِرامُ
لهُ إذ يرتَوي طَيْشانُ صادٍ ... ويسكُنُ حينَ يعْروهُ الأُوامُ
ويُذْري حين يُستَسْعى دُموعاً ... يرُقْنَ كما يروقُ الإبتِسامُ

ثمّ قال: وعلَيْكُمْ بالواضِحَةِ الدّليلِ. الفاضِحَةِ ما قيلَ. وأنشدَ مُلغِزاً في المِيلِ:
وما ناكِحٌ أُختَينِ جَهْراً وخُفيَةً ... وليسَ عليهِ في النّكاحِ سَبيلُ
متى يغْشَ هذي يغْشَ في الحالِ هذه ... وإنْ مالَ بعْلٌ لمْ تجِدْهُ يَميلُ
يَزيدُهُما عندَ المَشيبِ تعهّداً ... وبِرّاً وهذا في البُعولِ قَليلُ

ثم قال: وهذِهِ يا أولي الألْبابِ. مِعْيارُ الآدابِ. وأنشَد مُلغِزاً في الدّولابِ:
وجافٍ وهْوَ موْصولٌ ... وَصولٌ ليسَ بالجافي
غَريقٌ بارِزٌ فاعْجَبْ ... لهُ منْ راسِبٍ طافِ
يسُحّ دُموعَ مهْضومٍ ... ويهْضِمُ هَضْمَ مِتْلافِ
وتُخْشى منهُ حِدّتُهُ ... ولكِنْ قلبُهُ صافِ

قال: فلمّا رشَقَ. بالخَمْسِ التي نسَقَ. قال: يا قوْمِ تدَبّروا هذهِ الخمْسَ. واعْقِدوا عليْها الخَمْسَ. ثمّ رأيَكُمْ وضَمّ الذّيلِ. أوِ الازدِيادَ منْ هَذا الكَيْلِ! قال: فاستَفزّتِ القوْمَ شهوَةُ الزّيادَةِ. على ما أُشرِبوا منَ البَلادَةِ. فقالوا لهُ: إنّ وُقوفَنا دونَ حدّكَ. ليُفْحِمُنا عنِ استِيراء زنْدِكَ. واستِشْفافِ فِرِنْدِكَ. فإنْ أتْمَمتَ عشْراً فمِنْ عِندِكَ. فاهتزّ اهتِزازَ منْ فلَجَ سهمُهُ. وانخَزَلَ خصْمُهُ. ثمّ افتَتَح النُطْقَ بالبَسمَلَةِ. وأنشدَ مُلغِزاً في المُزَمَّلَةِ: ومَسْرورَةٍ مَغمومَةٍ طولَ دهرِها ... وما هيَ تدري ما السُرورُ ولا الغَمُّ
تُقرَّبُ أحياناً لأجْلِ جَنينِها ... وكمْ ولدٍ لوْلاهُ طُلّقَتِ الأمُّ
وتُبعَدُ أحياناً وما حالَ عهدُها ... وإبعادُ من لم يَستَحِلْ عهدُه ظُلمُ
إذا قَصُرَ الليلُ استُلِذّ وصالُها ... وإن طالَ فالإعراضُ عن وصْلِها غُنمُ
لها ملبَسٌ بادٍ أنيقٌ مبَطَّنٌ ... بما يُزْدَرى لكنْ لِما يُزْدرى الحُكمُ

ثم كشَرَ عن أنيابِهِ الصُفْرِ. وأنشَدَ مُلغِزاً في الظُفْرِ:
ومرهوبِ الشَّبا نامٍ ... وما يرْعى ولا يشرَبْ
يُرى في العَشْرِ دونَ النّحْ ... رِ فاسمَعْ وصفَهُ واعْجَبْ

ثم تخازرَ تخازُرَ العِفْريتِ. وأنشَدَ مُلغِزاً في طاقَةِ الكِبريتِ:
وما مَحْقورَةٌ تُدْنى وتُقْصى ... وما منْها إذا فكّرْتَ بُدُّ
لها رأسانِ مُشتَبِهانِ جِداً ... وكُلٌ منهُما لأخيهِ ضِدُّ
تعذَّبُ إن هُما خُضِبا وتُلغى ... إذا عَدِما الخِضابَ ولا تُعَدّ

ثمّ تخمّطَ تخمُّطَ القَرْمِ. وأنشدَ في حلَبِ الكَرْمِ:
وما شيءٌ إذا فسَدا ... تحوّلَ غيُّهُ رشَدا
وإنْ هوَ راقَ أوصافاً ... أثارَ الشرّ حيثُ بَدا
زَكيُّ العِرقِ والِدُهُ ... ولكِنْ بِئْسَ ما ولَدا

ثمّ اعتَضَدَ عَصا التَّسيارِ. وأنشَدَ مُلغِزاً في الطيّارِ:
وذي طَيشَةٍ شِقُّهُ مائِلٌ ... وما عابَهُ بهِما عاقِلُ
يُرى أبداً فوقَ عِلّيّةٍ ... كما يعْتَلي المَلِكُ العادِلُ
تساوَى لدَيْهِ الحَصا والنُّضارُ ... وما يستَوي الحقُّ والباطلُ
وأعْجَبُ أوصافِهِ إنْ نظرْتَ ... كما ينظُرُ الكَيّسُ الفاضِلُ
تَراضي الخُصومِ بهِ حاكِماً ... وقدْ عرَفوا أنّهُ مائِلُ

قال: فظلّتِ الأفكارُ تَهيمُ في أوديةِ الأوْهامِ. وتَجولُ جوَلانَ المُستَهامِ. الى أن طالَ الأمَدُ. وحصْحَصَ الكمَدُ. فلمّا رآهُمْ يزنِدونَ ولا سَنا. ويقْضونَ النّهارَ بالمُنى. قال: يا قومِ إلامَ تنظُرونَ. وحتّامَ تُنظَرونَ؟ ألَمْ يأنِ لكُمُ استِخْراجُ الخَبيّ. أو استِسلامُ الغَبيّ؟ فقالوا: تاللهِ لقدْ أعْوَصْتَ. ونصَبْتَ الشَّرَكَ فقنَصْتَ. فتحَكّمْ كيفَ شيتَ. وحُزِ الغُنْمَ والصّيتَ. ففرَضَ عنْ كلّ مُعَمًى فرْضاً. واستخلَصَهُ منهُمْ نَضّاً. ثمّ فتَح الأقفالَ. ورسمَ الأغْفالَ. وحاولَ الإجْفالَ. فاعتلَقَ بهِ مِدرَهُ القومِ. وقال لهُ: لا لُبسَةَ بعْدَ اليومِ. فاستَنْسِبْ قبلَ الانطِلاقِ. وهَبْها مُتعَةَ الطّلاقِ. فأطْرَقَ حتى قُلْنا مُريبٌ. ثمّ أنشَدَ والدمعُ مُجيبٌ:
سَروجُ مطْلِعُ شمْسي ... وربْعُ لَهْوي وأُنسي
لكِنْ حُرِمْتُ نَعيمي ... بها ولَذةَ نفْسي
واعْتَضْتُ عنها اغْتِراباً ... أمَرَّ يومي وأمْسي
ما لي مقَرٌّ بأرضٍ ... ولا قَرارٌ لعَنْسيْ
يوماً بنَجدٍ ويوْماً ... بالشّأمِ أُضْحي وأُمسي
أُزْجي الزّمانَ بقوتٍ ... منغّصٍ مُستَخَسّ
ولا أبيتُ وعندي ... فلْسٌ ومَنْ لي بفَلْسِ
ومنْ يعِشْ مثلَ عيشي ... باعَ الحياةَ ببخْسِ

ثم إنّهُ اخْتَبَن خُلاصَةَ النّضّ. وندرَ ضارِباً في الأرضِ. فناشدْناهُ أن يعودَ. وأسْنَيْنا لهُ الوعودَ. فلا وأبيكَ ما رجعَ. ولا التّرغيبُ لهُ نجعَ.

مقامات الحريري : المقامة التِّنِّيسيّة

المقامة التِّنِّيسيّة :
حدّثَ الحارثُ بنُ همّامٍ قال: أطَعْتُ دَواعيَ التّصابي. في غُلَواء شَبابي. فلمْ أزَلْ زِيراً للغِيدِ. وأُذُناً للأغارِيدِ. الى أن وافَى النّذيرُ. وولّى العيشُ النّضيرُ. فقَرِمْتُ الى رُشْدِ الانتِباهِ. وندِمْتُ على ما فرّطْتُ في جنْبِ اللهِ. ثمّ أخذْتُ في كسْعِ الهَناتِ بالحَسَناتِ. وتلافي الهفَواتِ قبلَ الفَواتِ. فمِلْتُ عنْ مُغاداةِ الغاداتِ. الى مُلاقاةِ التُّقاةِ. وعنْ مُقاناةِ القَيْناتِ. الى مُداناةِ أهلِ الدّياناتِ. وآلَيتُ أن لا أصْحَبَ إلا مَنْ نزَعَ عنِ الغَيّ. وفاءَ منشَرُهُ الى الطّيّ. وإنْ ألْفَيْتُ منْ هوَ خَليعُ الرّسَنِ. مَديدُ الوسَنِ. أنْأيْتُ داري عن دارِهِ. وفرَرْتُ عنْ عَرّهِ وعارِهِ. فلمّا ألقَتني الغُربَةُ بتِنّيسَ. وأحَلّتني مسجِدَها الأنيسَ. رأيتُ بهِ ذا حَلقَةٍ مُلتَحمَةٍ. ونظّارَةٍ مُزدَحِمةٍ. وهوَ يقولُ بجأشٍ مَكينٍو ولِسنٍ مُبينٍ: مِسكينٌ ابنُ آدمَ وأيُّ مِسكينٍ. ركَنَ من الدّنيا الى غيرِ رَكينٍ. واستَعصَمَ منها بغيرِ مَكسنٍ. وذُبِحَ من حُبّها بغيرِ سِكّينٍ. يَكْلَفُ بها لغَباوَتِهِ. ويَكْلَبُ عليْها لشَقاوَتِهِ. ويعْتَدّ فيها لمُفاخرَتِهِ. ولا يتزوّدُ منها لآخرتِهِ. أُقسمُ بمَنْ مرَجَ البَحرَينِ. ونوّرَ القمَرَينِ. ورفَعَ قدْرَ الحجريْنِ. لوْ عقَلَ ابنُ آدَمَ. لما نادَمَ. ولوْ فكّرَ في ما قدّمَ. لبَكى الدّمَ. ولوْ ذكَرَ المُكافاةَ. لاستَدرَكَ ما فاتَ. ولوْ نظَرَ في المآلِ. لحسّنَ قُبْل الأعْمالِ. يا عجَباً كلَّ العجَبِ. لمَنْ يقتَحِمُ ذاتَ اللهَبِ. في اكْتِنازِ الذّهبِ. وخزْنِ النّشَبِ. لذوي النّسَبِ. ثمّ منَ البِدْعِ العَجيبِ. أن يعِظَكَ وخْطُ المشيبِ. وتؤذِنُ شمسُكَ بالمَغيبِ. ولستَ ترى أن تُنيبَ. وتهذّبَ المَعيبَ. ثمّ اندفَعَ يُنشِدُ. إنشادَ منْ يُرشِدُ:
يا ويْحَ مَنْ أنذرَهُ شَيبُهُ ... وهوَ على غَيّ الصِّبا منكَمِشْ
يعْشو الى نارِ الهَوى بعْدَما ... أصبَحَ من ضُعْفِ القُوى يرتَعِش
ويمتَطي اللهْوَ ويعْتَدُّهُ ... أوْطأ ما يفتَرِشُ المُفتَرِشْ
لم يهَبِ الشّيبَ الذي ما رأى ... نجومَهُ ذو اللُّبّ إلا دُهِشْ
ولا انتهَى عمّا نَهاهُ النُهى ... عنهُ ولا بالى بعِرْضٍ خُدِشْ
فذاكَ إنْ ماتَ فسُحْقاً لهُ ... وإن يعِشْ عُدّ كأنْ لمْ يعِشْ
لا خيْرَ في مَحْيا امرئٍ نشْرُهُ ... كنَشْرِ ميْتٍ بعدَ عشْرٍ نُبِشْ
وحبّذا مَن عِرضُهُ طيّبٌ ... يَروقُ حُسْناً مثلَ بُرْدٍ رُقِشْ
فقُلْ لمَن قد شاكَهُ ذنبُهُ ... هلَكْتَ يا مِسكينُ أو تنتَقِشْ
فأخْلِصِ التّوبَةَ تطمِسْ بها ... منَ الخَطايا السودِ ما قد نُقِشْ
وعاشِرِ الناسَ بخُلقٍ رِضًى ... ودارِ منْ طاشَ ومنْ لم يطِشْ
ورِشْ جَناحَ الحُرّ إنْ حَصّهُ ... زمانُهُ لا كانَ منْ لم يرِشْ
وأنجِدِ الموْتورَ ظُلماً فإنْ ... عجِزْتَ عن إنْجادِهِ فاستجِشْ
وانعَشْ إذا ناداكَ ذو كَبوَةٍ ... عساكَ في الحشْرِ بهِ تنتَعِشْ
وهاكَ كأسَ النُصْحِ فاشرَبْ وجُدْ ... بفَضْلَةِ الكأسِ على مَنْ عطِشْ
قال: فلمّا فرَغَ من مُبكِياتِهِ. وقضَى إنشادَ أبياتِهِ. نهضَ صبيٌّ قد شدَنَ. وأعْرى البَدَنَ. وقال: يا ذَوي الحَصاةِ. والإنْصاتِ الى الوَصاةِ. قد وعَيْتُمُ الإنشادَ. وفقِهتُمُ الإرْشادَ. فمَن نَوى منكُمْ أن يقْبَلَ. ويُصلِحَ المُستَقبَلَ. فلْيُبِنْ ببِرّي عنْ نِيّتِهِ. ولا يعدِلْ عني بعَطيّتِهِ. فوالذي يعلَمُ الأسرارَ. ويغفِرُ الإصْرارَ. إنّ سرّي لكَما تَرَوْنَ. وإنّ وجهي ليَستَوْجِبُ الصّوْنَ. فأعينوني رُزِقْتُمُ العوْنَ. قال: فأخذَ الشيخُ في ما يعطِفُ عليْهِ القُلوبَ. ويُسَنّي لهُ المطْلوبَ. حتى أنْبَطَ حَفرُهُ. واعْشَوشَبَ قَفْرُهُ. فلمّا أنْ ترِعَ الكيسُ. انصَلَتَ يميسُ. ويحمَدُ تِنّيسَ. ولمْ يحْلُ للشيخِ المُقامُ. بعْدَما انْصاعَ الغُلامُ. فاستَرْفَعَ الأيْدي بالدّعاء. ثمّ نَحا نحْوَ الانكِفاء. قال الراوي: فارتَحْتُ الى أن أعجُمَهُ. وأحُلَّ مُترجَمَهُ. فتَبعتُهُ وهو يشتَدّ في سمْتِهِ. ولا يفْتُقُ رتْقَ صمتِهِ. فلمّا أمِنَ المُفاجيَ. وأمكَنَ التّناجي. لفَتَ جيدَهُ إليّ. وسلّمَ تسْليمَ البَشاشَةِ عليّ. ثمّ قال: أراقَكَ ذكاءُ ذاكَ الشُّوَيْدِنِ؟ فقلتُ: إي والمؤمِنِ المُهَيمِنِ! قال: إنهُ فتى السّروجيّ. ومُخرِجِ الدُّرّ منَ اللُّجّيّ! فقلْتُ: أشهَدُ إنّكَ لَشَجرَةُ ثمرَتِهِ. وشُواظُ شرَرَتِهِ. فصدّقَ كَهانَتي. واستَحْسَنَ إبانَتي. ثمّ قال: هل لكَ في ابتِدارِ البيتِ. لنَتنازَعَ كأسَ الكُمَيتِ؟ فقلتُ لهُ: ويْحَكَ أتأمُرونَ الناسَ بالبِرّ وتَنسَوْنَ أنفُسَكُمْ؟ فافتَرّ افتِرارَ مُتَضاحِكٍ. ومرّ غيرَ مُماحِكٍ. ثمّ بَدا لهُ أنْ تَراجَعَ إليّ. وقال: احفَظْها عني وعليّ:
 إصْرِفْ بصِرْفِ الرّاحِ عنكَ الأسى ... وروّحِ القلْبَ ولا تكتَئِبْ
وقلْ لمَنْ لامكَ في ما بِهِ ... تدفعُ عنكَ الهمّ قدْكَ اتّئِبْ

ثمّ قال: أمَا أنا فسأنطَلِقُ. الى حيثُ أصطَبِحُ وأغْتَبِقُ. وإذا كُنتَ لا تَصحَبُ. ولا تُلائِمُ مَن يطرَبُ. فلسْتَ لي برَفيقٍ. ولا طريقُكَ لي بطَريقٍ. فخَلّ سَبيلي ونكّبْ. ولا تُنقّرْ عني ولا تُنقّبْ. ثمّ ولّى مُدْبِراً ولمْ يُعَقّبْ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فالْتَهَبْتُ وجْداً عندَ انطِلاقِهِ. ووَدِدْتُ لوْ لمْ أُلاقِهِ.